أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

532

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقيل : الضمير في « منه » عائد على سبيل اللّه ، والأول أظهر و « منه » متعلّق بالمصدر . قوله : « أكبر » فيه وجهان : أحدهما : أنه خبر عن الثلاثة ، أعني : صدا وكفرا وإخراجا كما تقدّم ، وفيه حينئذ احتمالان : أحدهما : أن يكون خبرا عن المجموع . والاحتمال الآخر أن يكون خبرا عنها باعتبار كلّ واحد ، كما تقول : « زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد » أي : كلّ واحد منهم على انفراده أفضل من خالد . وهذا هو الظاهر . وإنما أفرد الخبر لأنه أفضل من تقديره : أكبر من القتال في الشهر الحرام . وإنّما حذف لدلالة المعنى . الثاني من الوجهين في « أكبر » : أن يكون خبرا عن الأخير ، ويكون خبر « وصد » و « كفر » محذوفا لدلالة خبر الثالث عليه تقديره : وصد وكفر أكبر . قال أبو البقاء في هذا الوجه : « ويجب أن يكون المحذوف على هذا « أكبر » لا « كبير » كما قدّره بعضهم ؛ لأن ذلك يوجب أن يكون إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر ، وليس كذلك . وفيما قاله أبو البقاء نظر ؛ لأن هذا القائل يقول : حذف خبر « وصد » و « كفر » لدلالة خبر « قتال » عليه أي : القتال في الشهر الحرام كبير ، والصد والكفر كبيران أيضا ، وإخراج أهل المسجد أكبر من القتال في الشهر الحرام . ولا يلزم من ذلك أن يكون أكبر من مجموع ما تقدّم حتى يلزم ما قاله من المحذور . قوله : عِنْدَ اللَّهِ متعلّق ب « أكبر » ، والعندية هنا مجاز لما عرف . وصرح هنا بالمفضول في قوله : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ؛ لأنه لا دلالة عليه لو حذف ، بخلاف الذي قبله حيث حذف . قوله : حَتَّى يَرُدُّوكُمْ حتى حرف جر ، ومعناها يحتمل وجهين : أحدهما : الغاية . والثاني : التعليل بمعنى كي ، والتعليل أحسن لأن فيه ذكر الحامل لهم على الفعل ، والغاية ليس فيها ذلك ، ولذلك لم يذكر الزمخشري غير كونها للتعليل قال : « وحتى » معناها التعليل كقولك : فلان يعبد اللّه حتى يدخل الجنة » أي : « يقاتلونكم كي يردّكم » . ولم يذكر ابن عطية غير كونها غاية قال : « ويردّوكم » نصب ب « حتى » لأنها غاية مجردة » وظاهر قوله : « منصوب بحتى » أنه لا يضمر « أن » لكنه لا يريد ذلك وإن كان بعضهم يقول بذلك . والفعل بعدها منصوب بإضمار أن وجوبا . و « يزالون » مضارع زال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر ، ولا تعمل إلا بشرط أن يتقدّمها نفي أو نهي أو دعاء ، وقد يحذف النافي باطّراد إذا كان الفعل مضارعا في جواب قسم وإلّا فسماعا ، وأحكامها في كتب النحو ، ووزنها فعل بكسر العين ، وهي من ذوات الياء بدليل ما حكى الكسائي في مضارعها : يزيل ، وإن كان الأكثر يزال ، فأمّا زال التامة فوزنها فعل بالفتح ، وهي من ذوات الواو لقولهم في مضارعها يزول ، ومعناها التحول . و « عن دينكم » متعلق « بيردوكم » وقوله : « إن استطاعوا » شرط جوابه محذوف للدلالة عليه أي : إن استطاعوا ذلك فلا يزالون يقاتلونكم ، ومن رأى جواز تقديم الجواب جعل « لا يزالون » جوابا مقدما ، وقد تقدّم الردّ عليه بأنه كان ينبغي أن تجب الفاء في قولهم : « أنت ظالم إن فعلت » .