أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

519

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والنذارة في قوله : أَ أَنْذَرْتَهُمْ « 1 » وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا « 2 » . قوله : مَعَهُمُ هذا الظرف فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بأنزل . وهذا لا بدّ فيه من تأويل ، وذلك أنه يلزم من تعلّقه بأنزل أن يكون النبيون مصاحبين للكتاب في الإنزال ، وهم لا يوصفون بذلك لعدمه فيهم . وتأويله أنّ المراد بالإنزال الإرسال ، لأنه مسبّب عنه ، كأنه قيل : وأرسل معهم الكتاب فتصحّ مشاركتهم له في الإنزال بهذا التأويل . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من الكتاب ، وتكون حالا مقدرة أي : وأنزل مقدّرا مصاحبته إياهم ، وقدّره أبو البقاء بقوله : « شاهدا لهم ومؤيّدا » ، وهذا تفسير معنى لا إعراب . والألف واللام في « الكتاب » يجوز أن تكون للعهد بمعنى أنه كتاب معين كالتوراة مثلا ، فإنها أنزلت على موسى وعلى النبيين بعده ، بمعنى أنّهم حكموا بها ، واستداموا على ذلك ، وأن تكون للجنس ، أي : أنزل مع كلّ واحد منهم من هذا الجنس . وقيل : هو مفرد وضع موضع الجمع ، أي : وأنزل معهم الكتب وهو ضعيف . وهذه الجملة معطوفة على قوله : « فبعث » لا يقال : البشارة والنّذارة ناشئة عن الإنزال فكيف قدّما عليه ؟ لأنا لا نسلّم أنّهما إنما يكونان بإنزال كتاب ، بل قد يكونان بوحي من اللّه تعالى غير متلوّ ولا مكتوب . ولئن سلّمنا ذلك ، فإنّما قدّما لأنهما حالان من « النبيين » فالأولى اتّصالهما بهم . قوله : بِالْحَقِّ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون متعلّقا بمحذوف على أنه حال من الكتاب أيضا عند من يجوّز تعدّد الحال وهو الصحيح . والثاني : أن يتعلّق بنفس الكتاب لما فيه من معنى الفعل ، إذ المراد به المكتوب . والثالث : أن يتعلّق بأنزل ، وهذا أولى لأنّ جعله حالا لا يستقيم إلا أن يكون حالا مؤكدة ، إذ كتب اللّه تعالى لا تكون ملتبسة بالحقّ ، والأصل فيها أن تكون منتقلة ، ولا ضرورة بنا إلى الخروج عن الأصل ، ولأنّ الكتاب جار مجرى الجوامد . قوله : لِيَحْكُمَ هذا الجارّ متعلق بقوله : « أنزل » واللام للعلة ، وفي الفاعل المضمر في « ليحكم » ثلاثة أقوال : أحدها : وهو أظهرها ، أنه يعود على اللّه تعالى لتقدّمه في قوله : فَبَعَثَ اللَّهُ ولأنّ نسبة الحكم إليه حقيقة ، ويؤيّده قراءة الجحدري « 3 » فيما نقله عنه مكي : « لنحكم » بنون العظمة ، وفيه التفات من الغيبة إلى التكلّم . وقد ظنّ ابن عطية أن مكيا غلط في نقل هذه القراءة عنه وقال : « إنّ الناس رووا عن الجحدري : « ليحكم » على بناء الفعل للمفعول » ولا ينبغي أن يغلّطه لاحتمال أن يكون عنه قراءتان . والثاني : أنه يعود على « الكتاب » أي : ليحكم الكتاب ، ونسبة الحكم إليه مجاز كنسبة النطق إليه في قوله

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 6 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 25 ) . ( 3 ) عاصم بن العجاج الجحدري روى عنه عيسى بن عمر توفي سنة 128 ه غاية النهاية ( 1 / 349 ) .