أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

520

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

تعالى : هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ « 1 » ، ونسبة القضاء إليه في قوله : 925 - ضربت عليك العنكبوت بنسجها * وقضى عليك به الكتاب المنزّل « 2 » ووجه المجاز أنّ الحكم فيه فنسب إليه . والثالث : أنه يعود على النبي ، وهذا استضعفه الشيخ « 3 » من حيث إفراد الضمير ، إذ كان ينبغي على هذا أن يجمع ليطابق « النبيين » . ثم قال : « وما قاله جائز على أن يعود الضمير على إفراد الجمع على معنى : ليحكم كلّ نبي بكتابه . و « بين » متعلق ب « يحكم » . والظرفية هنا مجاز . وكذلك « فيما اختلفوا » متعلق به أيضا . و « ما » موصولة ، والمراد بها الدين ، أي : ليحكم اللّه بين الناس في الدّين ، بعد أن كانوا متفقين عليه . ويضعف أن يراد ب « ما » النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنها لغير العقلاء غالبا . و « فيه » متعلّق ب « اختلفوا » ، والضمير عائد على « ما » الموصولة . قوله : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الضمير في « فيه » فيه أوجه : أظهرها : أنه عائد على « ما » الموصولة أيضا ، وكذلك الضمير في « أوتوه » . وقيل : يعودان على الكتاب ، أي : وما اختلف في الكتاب إلا الذين أوتوا الكتاب . وقيل : يعودان على النبيّ قاله الزجاج . أي : وما اختلف في النبيّ إلا الذين أوتوا علم نبوته . وقيل : يعود على عيسى للدلالة عليه . قوله : مِنْ بَعْدِ فيه وجهان : أحدهما : وهو الصحيح ، أن يتعلّق بمحذوف تقديره : اختلفوا فيه من بعد . والثاني : أنه متعلّق ب « اختلف » الملفوظ به ، قال أبو البقاء : ولا تمنع « إلّا » من ذلك ، كما تقول : « ما قام إلا زيد يوم الجمعة » . وهذا الذي أجازه أبو البقاء للنحاة فيه كلام كثير . وملخّصه أن « إلا » لا يستثنى بها شيئان دون عطف أو بدلية ، وذلك أنّ « إلّا » معدّية للفعل ، ولذلك جاز تعلّق ما بعدها بما قبلها ، فهي كواو مع وهمزة التعدية ، فكما أن واو « مع » وهمزة التعدية لا يعدّيان الفعل لأكثر من واحد ، إلّا مع العطف ، أو البدلية كذلك « إلا » . وهذا هو الصحيح ، وإن كان بعضهم خالف . فإن ورد من لسانهم ما يوهم جواز ذلك يؤوّل . فمنه قوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي « 4 » ثم قال : « بالبينات » ، فظاهر هذا أن « بالبينات » متعلق بأرسلنا ، فقد استثني ب « إلا » شيئان ، أحدهما « رجالا » والآخر « بالبينات » . وتأويله أنّ « بالبينات » متعلّق بمحذوف لئلا يلزم منه ذلك المحذور . وقد منع أبو الحسن وأبو علي : « ما أخذ أحد إلا زيد درهما » و « ما ضرب القوم إلا بعضهم بعضا » . واختلفا في تصحيحها فقال أبو الحسن : « طريق تصحيحها بأن تقدّم المرفوع الذي بعد « إلّا » عليها ، فيقال : ما أخذ أحد زيد إلا درهما ، فيكون « زيد » بدلا من « أحد » و « درهما » مستثنى مفرغ من ذلك المحذوف ، تقديره : ما أخذ أحد زيد شيئا إلا درهما » . وقال أبو علي : « طريق ذلك زيادة منصوب درهما » فيكون المرفوع بدلا من المرفوع ، والمنصوب بدلا من

--> ( 1 ) سورة الجاثية ، آية ( 29 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 36 ) . ( 4 ) سورة النحل ، الآيتان ( 43 - 44 ) .