أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
515
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أو في سببيّه . ونظير ما أجازه أن تقول : « زيدا ضربت » ويكون من باب الاشتغال ، وهذا ما لا يجيزه أحد . فإن قلنا إنّ مميّزها محذوف ، وأطلقت « كم » على القوم جاز ذلك لأنّ في جملة الاشتغال ضمير الأول ، لأنّ التقدير : « كم من قوم آتيناهم » قلت : هذا الذي قاله الشيخ من كونه لا يتمشّى على كون « من آية » تمييزا قد صرّح به ابن عطية فإنه قال : « وقوله « من آية » هو على التقدير الأول مفعول ثان لآتيناهم ، وعلى الثاني في موضع التمييز » يعني بالأول نصبها على الاشتغال ، وبالثاني نصبها بما بعدها . والثاني من وجهي كم : أن تكون في محلّ رفع بالابتداء والجملة بعدها في محلّ رفع خبرا لها والعائد محذوف تقديره : كم آتيناهموها أو آتيناهم إياها ، أجاز ذلك ابن عطية وأبو البقاء . واستضعفه الشيخ « 1 » من حيث إنّ حذف عائد المبتدأ المنصوب لا يجوز إلّا في ضرورة كقوله : 919 - وخالد يحمد ساداتنا * بالحقّ لا يحمد بالباطل « 2 » أي : وخالد يحمده . وهذا نقل بعضهم ، وأمّا ابن مالك فنقل أنّ المبتدأ إذا كان لفظ « كل » أو ما أشبهها في الافتقار والعموم جاز حذف عائده المنصوب اتفاقا من البصريين والكوفيين ، ومنه : وكل وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى « 3 » في قراءة نافع ، وإذا كان المبتدأ غير ذلك فالكوفيون يمنعون ذلك إلّا في السّعة ، والبصريّون يجيزونه بضعف ، ومنه : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ « 4 » برفع « حكم » . فقد حصل أنّ الذي أجازه ابن عطية ممنوع عند الكوفيين ضعيف عند البصريين . وهل « كم » هذه استفهامية أو خبرية ؟ الظاهر الأول ، وجوّز الزمخشري فيها الوجهين : ومنعه الشيخ « 5 » من حيث إنّ « كم » الخبرية مستقلة بنفسها غير متعلقة بالسؤال ، فتكون مفلتة ممّا قبلها ، والمعنى يؤدّي إلى انصباب السؤال عليها ، وأيضا فيحتاج إلى حذف المفعول الثاني للسؤال تقديره : سل بني إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم ، ثم قال : كثيرا من الآيات التي آتيناهم ، والاستفهامية لا تحتاج إلى ذلك . و مِنْ آيَةٍ فيه وجهان : أحدهما : أنها مفعول ثان على القول بأن « كم » منصوبة على الاشتغال كما تقدّم تحقيقه ، ويكون مميّز « كم » محذوفا ، و « من » زائدة في المفعول ؛ لأنّ الكلام غير موجب إذ هو استفهام . وهذا إذا قلنا إنّ « كم » استفهامية لا خبرية ، إذ الكلام مع الخبرية إيجاب ، و « من » لا تزاد في الواجب إلا على رأي الأخفش والكوفيين ، بخلاف ما إذا كانت استفهامية . قال الشيخ « 6 » : « فيمكن أن يجوز ذلك فيه لانسحاب الاستفهام على ما بعده وفيه بعد ، لأنّ متعلّق الاستفهام هو المفعول الأول لا الثاني ، فلو قلت : « كم من درهم أعطيته من رجل » على زيادة « من » في « رجل » لكان فيه نظر » انتهى .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 127 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 95 ) . ( 4 ) سورة المائدة ، آية ( 50 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 127 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 127 ) .