أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

516

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : أنها تمييز ، ويجوز دخول « من » على مميّز « كم » استفهامية كانت أو خبرية مطلقا ، أي : سواء وليها مميّزها أم فصل بينهما بجملة أو ظرف أو جار ومجرور ، على ما قرّره النحاة . و « كم » وما في حيّزها في محلّ نصب أو خفض ، لأنها في محلّ المفعول الثاني للسؤال فإنه يتعدّى لاثنين : إلى الأول بنفسه وو إلى الثاني بحرف جر : إمّا عن وإمّا الباء نحو : سألته عن كذا وبكذا ، قال تعالى فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً « 1 » ، وقد جمع بينهما في قوله : 920 - فأصبحن لا يسألنني عن بما به * . . . « 2 » وقد يحذف حرف الجرّ ، فمن ثمّ جاز في محلّ « كم » النصب والخفض بحسب التقديرين و « كم » هنا معلّقة للسؤال ، والسؤال لا يعلّق إلا بالاستفهام كهذه الآية ، وقوله تعالى : سَلْهُمْ : أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ « 3 » وقوله : 921 - يا أيّها الرّاكب المزجي مطيّته * سائل بني أسد ما هذه الصّوت « 4 » وقال آخر : 922 - . . . * واسأل بمصقلة البكريّ ما فعلا « 5 » وإنما علّق السؤال وإن لم يكن من أفعال القلوب ، قالوا : لأنه سبب للعلم والعلم يعلّق فكذلك سببه ، وإذا كانوا قد أجروا نقيضه في التعليق مجراه في قوله : 923 - ومن أنتم إنّا نسينا من أنتم * وريحكم من أيّ ريح الأعاصر « 6 » فإجراؤهم سببه مجراه أولى . واختلف النحويون في « كم » : هل بسيطة أو مركبة من كاف التشبيه وما الاستفهامية حذفت ألفها لانجرارها ، ثم سكّنت ميمها ، كما سكّنّت ميم « لم » من « لم فعلت كذا » في بعض اللغات ، فركّبتا تركيبا لازما ؟ والصحيح الأول . وأكثر ما تجيء في القرآن خبرية مرادا بها التكثير ولم يأت مميّزها في القرآن إلا مجرورا بمن . قوله : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ « من » شرطية في محلّ رفع بالابتداء . وقد تقدّم الخلاف في خبر اسم الشرط ما هو ؟ ولا بدّ للتبديل من مفعولين : مبدّل وبدل ، ولم يذكر هنا إلا أحدهما وهو المبدّل ، وحذف البدل ، وهو المفعول الثاني لفهم المعنى . وقد صرّح به في قوله : بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً « 7 » فكفرا هو المحذوف هنا . وكان قد

--> ( 1 ) سورة الفرقان ، آية ( 59 ) . ( 2 ) صدر بيت للأسود بن يعفر وعجزه : . . . * أصعد في علو الهوى أم تصوّبا وهو من شواهد البحر ( 2 / 127 ) ، المغني ( 2 / 354 ) ، الأشموني ( 3 / 83 ) ، أوضح المسالك ( 2 / 89 ) ، التصريح ( 2 / 130 ) ، اللسان « صعد » . ( 3 ) سورة القلم ، آية ( 40 ) . ( 4 ) البيت لرويشد الطائي انظر الحماسة ( 1 / 102 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 5 / 95 ) ، الخصائص ( 2 / 416 ) ، الدرر ( 2 / 216 ) ، الإنصاف ( 2 / 773 ) ، الهمع ( 2 / 157 ) ، المزجي اسم فاعل من أزجى يزجي ومعناه السائق . واستشهد بهذا البيت على الإشارة إلى المذكر وهو ( الصوت ) بإشارة المؤنث ، وإنما يفعل ذلك لأن لفظ المذكر هنا يطلق عليه لفظ المؤنث بالصيحة ونحوها وسيأتي . ( 5 ) عجز بيت للأخطل وصدره : دع المغمر لا تسأل بمصرعه . . . انظر ديوانه ( 157 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 299 ) . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) سورة إبراهيم ، آية ( 28 ) .