أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
508
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ « حسبه » مبتدأ و « جهنّم » خبره أي : كافيهم جهنّم ، وقيل : « جهنّم » فاعل ب « حسب » ، ثم اختلف القائل بذلك في « حسب » فقيل : هو بمعنى اسم الفاعل ، أي الكافي ، وهو في الأصل مصدر أريد به اسم الفاعل ، والفاعل - وهو جهنّم - سدّ مسدّ الخبر ، وقوي « حسب » لاعتماده على الفاء الرابطة للجملة بما قبلها ، وهذا كلّه معنى كلام أبي البقاء . وقيل : بل « حسب » اسم فعل ، والقائل بذلك اختلف : فقيل : اسم فعل ماض ، أي : كفاهم ، وقيل فعل أمر أي : ليكفهم ، إلّا أن إعرابه ودخول حروف الجر عليه يمنع كونه اسم فعل . وقد تلخّص ممّا تقدّم أن « حسب » هل هو بمعنى اسم الفاعل وأصله مصدر أو اسم فعل ماض أو فعل أمر ؟ وهو من الأسماء اللازمة للإضافة ، ولا يتعرّف بإضافته إلى معرفة ، تقول ، مررت برجل حسبك ، وينصب عنه التمييز ، ويكون مبتدأ فيجرّ بباء زائدة ، وخبرا فلا يجرّ بها ، ولا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث وإن وقع صفة لهذه الأشياء . و « جهنّم » اختلف الناس فيها ، فقيل : هي أعجمية وعرّبت ، وأصلها كهنام ، فمنعها من الصرف للعلمية والعجمة . وقيل : بل هي عربية الأصل ، والقائلون بذلك اختلفوا في نونها : هل هي زائدة أم أصلية ؟ فالصحيح أنها زائدة ووزنها « فعنّل » مشتقة من « ركيّة جهنام » أي : بعيدة القعر ، وهي من الجهم وهو الكراهة ، وقيل : بل نونها أصليّة ووزنها فعلّل كعدبّس ، قال : لأن « فعنّلا » مفقود في كلامهم ، وجعل « زونكا » فعلّلا أيضا ، لأنّ الواو أصل في بنات الأربعة كورنتل ، لكنّ الصحيح إثبات هذا البناء ، وجاءت منه ألفاظ ، قالوا : « ضغنّط » من الضّغاطة وهي الضخامة ، و « سفنّج » و « هجنّف » للظّليم ، والزّونك : القصير سمّي بذلك لأنه ينزوك في مشيته أي : يتبختر ، قال حسان : 906 - أجمعت أنّك أنت ألأم من مشى * في فحش زانية وزوك غراب « 1 » وهذا كلّه يدلّ على أنّ النون زائدة في « زونك » وعلى هذا فامتناعها للتأنيث والعلمية . وَلَبِئْسَ الْمِهادُ المخصوص بالذّمّ محذوف ، أي : ولبئس المهاد جهنّم ، وحسّن حذفه هنا كون « المهاد » وقع فاصلة ، وقد تقدّم الكلام على « بئس » وخلاف الناس فيها . وحذف هذا المخصوص بذلك على أنه مبتدأ والجملة من نعم وبئس خبره ، سواء تقدّم أو تأخر ؛ لأنّا لو جعلناه خبر مبتدإ محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر ، ثم حذفناه ، كنا قد حذفنا الجملة بأسرها من غير أن ينوب عنها شيء ، وأيضا فإنّه يلزم من ذلك أن تكون الجملة مفلتة ممّا قبلها إذ ليس لها موضع من الإعراب ، وليست معترضة ولا مفسّرة ولا صلة ولا مستأنفة . والمهاد فيه قولان : أحدهما : أنه جمع « مهد » وهو ما يوطأ للنوم . والثاني : أنه اسم مفرد ، سمّي به الفراش الموطّأ للنوم ، وهذا من باب التهكم والاستهزاء ، أي : جعلت جهنّم لهم بدل مهاد يفترشونه وهو كقوله : 907 - وخيل قد دلفت لها بخيل * تحيّة بينهم ضرب وجيع « 2 » أي : القائم لهم مقام التحية الضرب الوجيع .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر ديوانه ( 343 ) ، وهو من شواهد البحر ( 2 / 109 ) .