أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
509
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 207 إلى 208 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 207 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 ) قوله تعالى : مَنْ يَشْرِي : في « من » الوجهان المتقدّمان في « من » الأولى ، ومعنى يشري : يبيع ، قال تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ « 1 » ، إن أعدنا الضمير المرفوع على الآخرة ، وقال : 908 - وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه « 2 » فالمعنى : يبذل نفسه في اللّه ، وقيل : بل هو على أصله من الشّراء ، وذلك أنّ صهيبا اشترى نفسه من قريش لمّا هاجر ، والآية نزلت فيه . قوله : ابْتِغاءَ منصوب على أنه مفعول من أجله . والشروط المقتضية للنصب موجودة . والصحيح أنّ إضافة المفعول له محضة ، وخلافا للجرمي والمبرد والرياشي « 3 » وجماعة من المتأخّرين . و « مرضاة » مصدر مبنيّ على تاء التأنيث كمدعاة ، والقياس تجريده عنها نحو : مغزى ومرمى . ووقف حمزة عليها بالتاء ، وذلك لوجهين : أحدهما أنّ بعض العرب يقف على تاء التأنيث بالتاء كما هي ، وأنشدوا : 909 - دار لسلمى بعد حول قد عفت * بل جوز تيهاء كظهر الجحفت « 4 » وقد حكى هذه اللغة سيبويه . والثاني : أن يكون وقف على نية الإضافة ، كأنه نوى لفظ المضاف إليه لشدة اتّصال المتضايفين فأقرّ التاء على حالها منبهة على ذلك ، وهذا كما أشمّوا الحرف المضموم ليعلموا أنّ الضّمّة كالمنطوق بها . وقد أمال الكسائي وورش « مرضات » . وفي قوله : « بالعباد » خروج من ضمير الغيبة إلى الاسم الظاهر ، إذ كان الأصل « رؤوف به » أو « بهم » ، وفائدة هذا الخروج أنّ لفظ « العباد » يؤذن بالتشريف ، أو لأنّه فاصلة فاختير لذلك . قوله تعالى : السِّلْمِ : قرأ هنا « السّلم » بالفتح نافع والكسائي وابن كثير ، والباقون بالكسر ، وأمّا التي في الأنفال « 5 » فلم يقرأها بالكسر إلا أبو بكر وحده عن عاصم ، والتي في القتال « 6 » فلم يقرأها بالكسر إلا حمزة وأبو بكر أيضا ، وسيأتي . فقيل : هما بمعنى وهو الصلح ، ويذكّر ويؤنّث ، قال تعالى : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ،
--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 20 ) . ( 2 ) البيت لابن مفرغ انظر ديوانه ( 213 ) . ( 3 ) العباس بن الفرج أبو الفضل الرياشي اللغوي النحوي وثقه الخطيب وصنف كتاب الخيل ، وكتاب الإبل وغير ذلك توفي سنة ( 207 ) ه البغية ( 2 / 27 - 28 ) . ( 4 ) البيت لسؤر الذئب انظر الخصائص ( 1 / 304 ) ، الإنصاف ( ) ، سر الصناعة ( 1 / 177 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 118 ) ، اللسان : « بلل » . ( 5 ) سورة الأنفال ، آية ( 61 ) . ( 6 ) سورة محمد ، آية ( 35 ) .