أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

502

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : أنها موصولة فلا محلّ لتعجّل لوقوعه صلة ، ولفظه ماض ومعناه يحتمل المضيّ والاستقبال ؛ لأنّ كلّ ما وقع صلة فهذا حكمه . والفاء في « فلا » زائدة في الخبر ، وهي وما بعدها في محلّ رفع خبرا للمبتدأ . و « في يومين » متعلق بتعجّل ، ولا بد من ارتكاب مجاز لأن الفعل الواقع في الظرف المعدود يستلزم أن يكون واقعا في كلّ من معدوداته ، تقول : « سرت يومين » لا بد وأن يكون السير وقع في الأول والثاني أو بعض الثاني ، وهنا لا يقع التعجيل في اليوم الأول من هذين اليومين بوجه ، ووجه المجاز : إمّا من حيث إنه نسب الواقع في أحدهما واقعا فيها كقوله : نَسِيا حُوتَهُما « 1 » و يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ « 2 » ، والناسي أحدهما ، وكذلك المخرج من أحدهما ، وإمّا من حيث حذف مضاف أي : في تمام يومين أو كمالهما . و « تعجّل » يجوز أن يكون بمعنى استعجل ، كتكبّر واستكبر ، أو مطاوعا لعجّل نحو كسرته فتكسّر ، أو بمعنى المجرد ، وهو عجل ، قال الزمخشري : « والمطاوعة أوفق ، لقوله : « ومن تأخّر » ، كما هي كذلك في قوله : 896 - قد يدرك المتأنّي بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزّلل « 3 » لأجل قوله : « المتأني » . وتعجّل واستعجل يكونان لازمين ومتعديين ، ومتعلّق التعجيل محذوف ، فيجوز أن تقدّره مفعولا صريحا أي : من تعجّل النّفر ، وأن تقدّره مجرورا أي : بالنفر ، حسب استعماله لازما ومتعديا . وفي هذه الآيات من علم البديع : الطباق ، وهو ذكر الشيء وضدّه في « تعجّل وتأخر » فهو كقوله : أَضْحَكَ وَأَبْكى و أَماتَ وَأَحْيا « 4 » وهذا طباق غريب ، من حيث جعل ضدّ « تعجّل » : « تأخّر » ، وإنما ضدّ « تعجّل » : « تأنّى » وضدّ تأخّر : تقدّم ، ولكنه في « تعجّل » عبّر بالملزوم عن اللازم ، وفي « تأخّر » باللازم عن الملزوم . وفيها من علم البيان : المقابلة اللفظية ، وذلك أن المتأخّر بالنّفر آت بزيادة في العبادة فله زيادة في الأجر على المتعجّل فقال في حقه أيضا : « فلا إثم عليه » ليقابل قوله أولا : « فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه » ، فهو كقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 5 » فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ « 6 » . وقرأ الجمهور « فلا إثم » بقطع الهمزة على الأصل ، وقرأ سالم بن عبد اللّه : « فلا إثم » بوصلها وحذف ألف لا ، ووجهه أنه خفّف الهمزة بين بين فقربت من الساكن فحذفها تشبيها بالألف ، فالتقى ساكنان : ألف لا وثاء « أثم » ، فحذفت ألف « لا » لالتقاء الساكنين . وقال أبو البقاء : « ووجهها أنّه لمّا خلط الاسم ب « لا » حذف الهمزة تشبيها لها بالألف » يعني أنه لمّا ركّبت « لا » مع اسمها صارا كالشئ الواحد ، والهمزة شبيهة الألف ، فكأنه اجتمع ألفان فحذفت الثانية لذلك ، ثم حذفت الألف لما ذكرت لك . قوله : لِمَنِ اتَّقى هذا الجارّ خبر مبتدأ محذوف ، واختلفوا في ذلك المبتدأ حسب اختلافهم في تعلّق هذا الجارّ من جهة المعنى لا الصناعة ، فقيل : يتعلّق من جهة المعنى بقوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، فتقدّر له ما يليق به أي : انتفاء الإثم لمن اتّقى . وقيل : متعلّق بقوله : « واذكروا » أي : الذكر لمن اتقى . وقيل : متعلّق بقوله : غَفُورٌ

--> ( 1 ) سورة الكهف ، آية ( 61 ) . ( 2 ) سورة الرحمن ، آية ( 22 ) . ( 3 ) البيت للقطامي انظر ديوانه ( 2 ) ، مجالس ثعلب ( 2 / 369 ) ، الكشاف ( 4 / 477 ) . ( 4 ) سورة النجم ، آية ( 43 ) . ( 5 ) سورة الشورى ، آية ( 40 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 194 ) .