أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

503

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

رَحِيمٌ أي : المغفرة لمن اتقى . وقيل : التقدير : السلامة لمن اتقى . وقيل : التقدير : ذلك التخيير ونفي الإثم عن المستعجل والمتأخر لأجل الحاجّ المتّقي ، لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه إثما في الإقدام عليه ، لأنّ ذا التقوى حذر متحرز من كلّ ما يريبه . وقيل : التقدير : ذلك الذي مرّ ذكره من أحكام الحج وغيره لمن اتقى ، لأنه هو المنتفع به دون من سواه ، كقوله : ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ « 1 » . قال هذين التقديرين الزمخشري . وقال أبو البقاء : « تقديره : جواز التعجيل والتأخير لمن اتقى » . وكلّها أقوال متقاربة . ويجوز أن يكون « لمن اتقى » في محلّ نصب على أن اللام لام التعليل ، ويتعلّق بقوله « فلا إثم عليه » أي : انتقى الإثم لأجل المتّقي . ومفعول : اتّقى » محذوف ، أي : اتّقى اللّه ، وقد جاء مصرّحا به في مصحف عبد اللّه وقيل : اتقى الصيد . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 204 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) قوله تعالى : مَنْ يُعْجِبُكَ : « من » يجوز أن تكون موصولة ، وأن تكون نكرة موصوفة ، وقد تقدّم نظيرها أول السورة فينظر هناك « 2 » . والإعجاب : استحسان الشيء والميل إليه والتعظيم له . والهمزة فيه للتعدي . وقال الراغب : « العجب حيرة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء ، وليس هو شيئا له في ذاته حالة . بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه ، وحقيقة أعجبني كذا : ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه » . انتهى . ويقال : عجبت من كذا ، قال : 897 - عجبت والدّهر كثير عجبه * من عنزيّ سبّني لم أضربه « 3 » قوله : فِي الْحَياةِ فيه وجهان : أحدهما أن يتعلّق ب « قوله » ، أي : يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا ، لأنّ ادّعاءه المحبة بالباطل يطلب حظا من الدنيا . والثاني : أن يتعلّق ب « يعجبك » أي : قوله حلو فصيح في الدنيا فهو يعجبك ولا يعجبك في الآخرة ، لما يرهقه في الموقف من الحبسة واللّكنة ، أو لأنه لا يؤذن لهم في الكلام . قال الشيخ « 4 » : « والذي يظهر أنه متعلق بيعجبك ، لا على المعنى الذي قاله الزمخشري ، بل على معنى أنك تستحسن مقالته دائما في مدة حياته إذ لا يصدر منه من القول إلا ما هو معجب رائق لطيف ، فمقالته في الظاهر معجبة دائما ، لا تراه يعدل عن ذلك المقالة الحسنة الرائعة إلى مقالة خشنة منافية » . قوله : وَيُشْهِدُ اللَّهَ في هذه الجملة وجهان : أظهرهما : أنها عطف على « يعجبك » ، فهي صلة لا محلّ لها من الإعراب أو صفة ، فتكون في محلّ رفع

--> ( 1 ) سورة الروم ، آية ( 38 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 8 ) . ( 3 ) البيت لزياد الأعجم وهو من شواهد الكتاب ( 1801 ) ، المحتسب ( 1 / 196 ) ، المفصل ( 9 / 70 ) ، الهمع ( 2 / 208 ) ، الدرر ( 2 / 234 ) ، اللسان « لمم » . العنزي : منسوب إلى عنزة ، بفتح العين والنون ، وهم عنزة بن أسد بن ربيعة . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 114 ) .