أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
500
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ممّا تقدّم إلا أني ذكرته بالتنصيص ، تسهيلا للأمر فإنه موضع يحتاج إلى نظر وتأمل . وهذا نهاية القول في هذه المسألة بالنسبة لهذا الكتاب . و « أو » هنا قيل للإباحة ، وقيل للتخيير ، وقيل : بمعنى بل . قوله : مَنْ يَقُولُ : رَبَّنا آتِنا « من » مبتدأ ، وخبره في الجارّ قبله ، ويجوز أن تكون فاعلة عند الأخفش ، وأن تكون نكرة موصوفة . وفي هذا الكلام التفات ، إذ لو جرى على النسق الأول لقيل : « فمنكم » ، وحمل على معنى « من » إذ جاء جمعا في قوله : رَبَّنا آتِنا ، ولو حمل على لفظها لقال : « ربّ آتني » . وفي مفعول « آتنا » الثاني - لأنه يتعدّى لاثنين ثانيهما غير الأول - ثلاثة أقوال : أظهرها : أنه محذوف اختصارا أو اقتصارا ، لأنه من باب « أعطى » ، أي : آتنا ما نريد أو مطلوبنا . والثاني : أن « في » بمعنى « من » أي : من الدنيا . والثالث : أنها زائدة ، أي : آتنا الدنيا ، وليسا بشيء . قوله تعالى : فِي الدُّنْيا حَسَنَةً : * يجوز في الجار وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بآتنا كالذي قبله . والثاني : أجازه أبو البقاء أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من « حسنة » لأنه كان في الأصل صفة لها ، فلما قدّم عليها انتصب حالا . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 201 إلى 203 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 202 ) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 ) قوله : وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً هذه الواو عاطفة شيئين على شيئين متقدمين . ف « في الآخرة » عطف على « في الدنيا » بإعادة العامل . و « حسنة » عطف على « حسنة » . والواو تعطف شيئين فأكثر على شيئين فأكثر . تقول : « أعلم اللّه زيدا عمرا فاضلا وبكرا خالدا صالحا » اللهم إلا أن تنوب عن عاملين ففيها خلاف لأهل العربية وتفصيل كثير يأتي في موضعه إن شاء اللّه تعالى . وليس هذا كما زعم بعضهم أنه من باب الفصل بين حرف العطف وهو على حرف واحد وبين المعطوف بالجار والمجرور ، وجعله دليلا على أبي علي الفارسي حيث منع ذلك إلا في ضرورة ؛ لأن هذا من باب عطف شيئين على شيئين كما ذكرت لك ، لا من باب الفصل ، ومحلّ الخلاف إنما هو نحو : « أكرمت زيدا وعندك عمرا » . وإنما يردّ على أبي علي بقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ، وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ « 2 » وقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ « 3 » ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 104 ) .
--> ( 2 ) سورة النساء ، آية ( 58 ) . ( 3 ) سورة الطلاق ، آية ( 12 ) .