أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
477
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
النهي عن الالتباس بالشيء ، فلذلك جاءت الآية الكريمة . وقال هنا : فَلا تَقْرَبُوها وفي مواضع أخر : فَلا تَعْتَدُوها « 1 » ومثله : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ « 2 » وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ « 3 » لأنه غلّب هنا جهة النهي إذ هو المعقّب بقوله : « تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ » وما كان منهيّا عن فعله كان النهي عن قربانه أبلغ ، وأمّا الآيات الأخر فجاء « فلا تعتدوها » عقب بيان أحكام ذكرت قبل كالطلاق والعدّة والإيلاء والحيض والمواريث ، فناسب أن ينهى عن التّعدّي فيها ، وهو مجاوزة الحدّ الذي حدّه اللّه فيها . قوله : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ الكاف في محلّ نصب : إمّا نعتا لمصدر محذوف ، أي : بيانا مثل هذا البيان ، أو حالا من المصدر المحذوف كما هو مذهب سيبويه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 188 إلى 189 ] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189 ) قوله تعالى : بَيْنَكُمْ : في هذا الظرف وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بتأكلوا بمعنى : لا تتناقلوها فيما بينكم بالأكل . والثاني : أنه متعلّق بمحذوف لأنه حال من « أموالكم » ، أي : لا تأكلوها كائنة بينكم . وقدّره أبو البقاء أيضا بكائنة بينكم أو دائرة بينكم ، وهو في المعنى كقوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ « 4 » ، وفي تقدير « دائرة » - وهو كون مقيّد - نظر لا يخفى ، إلّا أن يقال : دلّت الحال عليه . قوله : بِالْباطِلِ فيه وجهان : أحدهما : تعلّقه بالفعل ، أي : لا تأخذوها بالسبب الباطل . الثاني : أن يكون حالا ، فيتعلّق بمحذوف ، ولكن في صاحبها احتمالان : أحدهما : أنه المال ، كأن المعنى ، لا تأكلوها ملتبسة بالباطل . والثاني : أن يكون الضمير في « تأكلوا » كأنّ المعنى : لا تأكلوها مبطلين ، أي : ملتبسين بالباطل . قوله : وَتُدْلُوا بِها في « تدلوا » ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مجزوم عطفا على ما قبله ، ويؤيّده قراءة أبيّ : « ولا تدلوا » بإعادة لا الناهية . والثاني : أنّه منصوب على الصرف ، وقد تقدّم معنى ذلك وأنه مذهب الكوفيين ، وأنه لم يثبت بدليل . والثالث : أنه منصوب بإضمار أن في جواب النهي ، وهذا مذهب الأخفش ، وجوّزه ابن عطيّة والزمخشري ومكي وأبو البقاء .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 229 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 229 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 14 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 282 ) .