أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

478

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قال الشيخ « 1 » : « وأمّا إعراب الأخفش وتجويز الزمخشري ذلك هنا فتلك مسألة : « لا تأكل السمك وتشرب اللبن » . قال النحويون : إذا نصب كان الكلام نهيا عن الجمع بينهما . وهذا المعنى لا يصحّ في الآية لوجهين : أحدهما : أنّ النهي عن الجمع لا يستلزم النهي عن كلّ واحد منهما على انفراده ، والنهي عن كلّ واحد منهما يستلزم النهي عن الجمع بينهما ؛ لأن الجمع بينهما حصول كلّ واحد منهما ، وكلّ واحد منهما منهيّ عنه ضرورة ، ألا ترى أنّ أكل المال بالباطل حرام سواء أفرد أم جمع مع غيره من المحرّمات . والثاني - وهو أقوى - : أنّ قوله « لتأكلوا » علّة لما قبلها ، فلو كان النهي عن الجمع لم تصحّ العلة له ، لأنه مركب من شيئين لا تصحّ العلة أن تترتّب على وجودهما ، بل إنما تترتّب على وجود أحدهما ، وهو الإدلاء بالأموال إلى الحكام » . و « بها » متعلّق ب « تدلوا » ، وفي الباء قولان : أحدهما : أنها للتعدية ، أي لترسلوا بها إلى الحكام . والثاني : أنّها للسبب بمعنى أن المراد بالإدلاء الإسراع بالخصومة في الأموال إمّا لعدم بيّنة عليها ، أو بكونها أمانة كمال الأيتام . والضمير في « بها » الظاهر أنه للأموال وقيل : إنه لشهادة الزّور لدلالة السياق عليها ، وليس بشيء . و مِنْ أَمْوالِ في محلّ نصب صفة ل « فريقا » ، أي : فريقا كائنا من أموال الناس . قوله : بِالْإِثْمِ تحتمل هذه الباء أن تكون للسبب فتتعلّق بقوله : « لتأكلوا » وأن تكون للمصاحبة ، فتكون حالا من الفاعل في « لتأكلوا » ، وتتعلّق بمحذوف أي : لتأكلوا ملتبسين بالإثم . وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل « لتأكلوا » ، وذلك على رأي من يجيز تعدّد الحال ، وأمّا من لا يجيز ذلك فيجعل « بالإثم » غير حال . قوله تعالى : عَنِ الْأَهِلَّةِ : متعلّق بالسؤال قبله ، يقال : « سأل به وعنه » بمعنى . والضمير في « يسألونك » ضمير جماعة ، وفي القصة أن السائل اثنان ، فيحتمل ذلك وجهين : أحدهما : أنّ ذلك لكون الاثنين جمعا . والثاني : من نسبة الشيء إلى جمع وإن لم يصدر إلّا من واحد منهم أو اثنين ، وهو كثير في كلامهم . والجمهور على إظهار نون « عن » قبل لازم « الأهلّة » وورش على أصله من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ، وقرئ شاذا : « علّ هلّة » وتوجيهها أنه نقل حركة همزة « أهلة » إلى لام التّعريف ، وأدغم نون « عن » في لام التعريف لسقوط همزة الوصل في الدّرج ، وفي ذلك اعتداد بحركة الهمزة المنقولة وهي لغة من يقول : « لحمر » من غير همزة وصل . وإنما جمع الهلال وإن كان مفردا اعتبارا باختلاف أزمانه ، قالوا من حيث كونه هلالا في شهر غير كونه هلالا في

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 56 ) .