أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
476
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أنه متعلّق بالإتمام فهو غاية له . والثاني : أنه في محلّ نصب على الحال من الصيام ، فيتعلّق بمحذوف ، أي : كائنا إلى الليل ، و « إلى » إذا كان ما بعدها من غير جنس ما قبلها لم يدخل فيه ، والآية من هذا القبيل . وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ جملة حالية من فاعل « تباشروهنّ » ، والمعنى : لا تباشروهنّ وقد نويتم الاعتكاف في المسجد ، وليس المراد النهي عن مباشرتهنّ في المسجد بقيد الاعتكاف ، لأنّ ذلك ممنوع منه في غير الاعتكاف أيضا . والعكوف : الإقامة والملازمة له ، يقال : عكف بالفتح يعكف بالضم والكسر ، وقد قرئ : يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ « 1 » بالوجهين وقال الفرزدق : 867 - ترى حولهنّ المعتفين كأنّهم * على صنم في الجاهلية عكّف « 2 » وقال الطرماح : 868 - وظلّ بنات اللّيل حولي عكّفا * عكوف البواكي بينهنّ صريع « 3 » ويقال : الافتعال منه في الخير ، والانفعال في الشّرّ . وأمّا الاعتكاف في الشرع فهو إقامة مخصوصة بشرائط ، والكلام فيه بالنسبة إلى الحقيقة الشرعية كالكلام في الصلاة . وقرأ قتادة : « عكفون » كأنه يقال : عاكف وعكف نحو بار وبرّ ورابّ وربّ . وقرأ الأعمش : « في المسجد » بالإفراد كأنه يريد الجنس . قوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ مبتدأ وخبر ، واسم الإشارة أخبر عنه بجمع ، فلا جائز أن يشار به إلى ما نهي عنه في الاعتكاف لأنه شيء واحد ، بل هو إشارة إلى ما تضمّنته آية الصيام من أولها إلى هنا ، وآية الصيام قد تضمّنت عدة أوامر ، والأمر بالشيء نهي عن ضدّه ، فبهذا الاعتبار كانت عدّة مناهي ، ثم جاء آخرها صريح النهي هو : « ولا تباشروهنّ » فأطلق على الكل « حدودا » تغليبا للمنطوق به ، واعتبار بتلك المناهي التي تضمّنتها الأوامر ، فقيل فيها حدود ، وإنما اضطررنا إلى هذا التأويل لأنّ المأمور به لا يقال فيه « فلا تقربوها » . قال أبو البقاء : « دخول الفاء هنا عاطفة على شيء محذوف تقديره : تنبّهوا فلا تقربوها » ، ولا يجوز في هذه الفاء أن تكون زائدة كالتي في قوله تعالى : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ « 4 » على أحد القولين ، لأنه كان ينبغي أن ينتصب « حدود اللّه » على الاشتغال ، لأنه الفصيح فيما وقع قبل أمر أو نهي نحو : « زيدا فاضربه ، وعمرا فلا تهنه » فلمّا أجمعت القرّاء هنا على الرفع علمنا أنّ هذه الجملة التي هي « فلا تقربوها » منقطعة عمّا قبلها ، وإلّا يلزم وجود غير الفصيح في القرآن . والحدود : جمع حدّ وهو المنع ، ومنه قيل للبوّاب : حدّاد ، لأنّه يمنع من العبور . وحدّ الشيء منتهاه ومنقطعة ، ولهذا يقال : الحدّ مانع جامع أي : يمنع غير المحدود الدخول في المحدود . والنهي عن القربان أبلغ من
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية ( 138 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 561 ) ، وهو من شواهد البحر ( 2 / 28 ) . ( 3 ) البيت في ديوانه ( 561 ) ، وهو في اللسان « نبو » ، والطبري ( 2 / 222 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 40 ) .