أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

475

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ قد تقدّم الكلام على « الآن » . وفي وقوعه ظرفا للأمر تأويل ، وذلك أنه للزمن الحاضر والأمر مستقبل أبدا ، وتأويله ما قاله أبو البقاء قال : « والآن : حقيقته الوقت الذي أنت فيه ، وقد يقع على الماضي القريب منك ، وعلى المستقبل القريب ، تنزيلا للقريب منزلة الحاضر ، وهو المراد هنا ، لأنّ قوله : « فالآن باشروهنّ » أي : فالوقت الذي كان يحرّم عليكم فيه الجماع من الليل » وقيل : هذا كلام محمول على معناه ، والتقدير : فالآن قد أبحنا لكم مباشرتهنّ ، ودلّ على هذا المحذوف لفظ الأمر فالآن على حقيقته . وقرئ : « واتّبعوا » « 1 » من الاتّباع ، وتروى عن ابن عباس ومعاوية بن قرة « 2 » والحسن البصري . وفسّروا « ما كَتَبَ اللَّهُ » بليلة القدر ، أي : اتّبعوا ثوابها ، قال الزمخشري : « وهو قريب من بدع التفاسير » . قوله : حَتَّى يَتَبَيَّنَ « حتى » هنا غاية لقوله : « كلوا واشربوا » بمعنى إلى ، ويقال : تبيّن الشيء وأبان واستبان وبان كلّه بمعنى ، وكلّها تكون متعدية ولازمة ، إلّا « بان » فلازم ليس إلّا . و « من الخيط » من لابتداء الغاية وهي ومجرورها في محلّ نصب ب يتبيّن ، لأنّ المعنى : حتى يباين الخيط الأبيض الأسود . و مِنَ الْفَجْرِ يجوز فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون تبعيضية فتتعلّق أيضا ب « يتبيّن » ؛ لأنّ الخيط الأبيض هو بعض الفجر وأوله ، ولا يضرّ تعلّق حرفين بلفظ واحد بعامل واحد لاختلاف معناهما . والثاني : أن تتعلّق بمحذوف على أنها حال من الضمير في الأبيض ، أي : الخيط الذي هو أبيض كائنا من الفجر ، وعلى هذا يجوز أن تكون « من » لبيان الجنس كأنه قيل : الخيط الأبيض الذي هو الفجر . والثالث : أن يكون تمييزا ، وهو ليس بشيء ، وإنما بيّن قوله : « الخيط الأبيض » بقوله : « من الفجر » ، ولم يبيّن الخيط الأسود فيقول : من الليل اكتفاء بذلك ، وإنما ذكر هذا دون ذاك لأنّه هو المنوط به الأحكام المذكورة من المباشرة والأكل والشّرب . وهذا من أحسن التشبيهات حيث شبّه بياض النّهار بخيط أبيض ، وسواد الليل بخيط أسود ، حتى إنه لما ذكر عديّ بن حاتم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه فهم من الآية حقيقة الخيط تعجّب منه ، وقال : « إن وسادك لعريض » « 3 » ويروى : « إنك لعريض القفا » . وقد روي أنّ بعض الصحابة فعل كفعل عديّ ، ويروى أن بين قوله : « الخيط الأبيض » « من الخيط الأسود » عاما كاملا في النزول . وهذا النوع من باب التشبيه من الاستعارة ، لأنّ الاستعارة هي أن يطوى فيها ذكر المشبّه ، وهنا قد ذكر وهو قوله : « من الفجر » ، ونظيره قولك : « رأيت أسدا من زيد » لو لم تذكر : « من زيد » لكان استعارة . ولكنّ التشبيه هنا أبلغ ، لأنّ الاستعارة لا بد فيها من دلالة حالية ، وهنا ليس ثمّ دلالة ، ولذلك مكث بعض الصحابة يحمل ذلك على الحقيقة مدة ، حتى نزل « من الفجر » فتركت الاستعارة وإن كانت أبلغ لما ذكرت لك . والفجر مصدر فجر يفجر أي : انشقّ . قوله : إِلَى اللَّيْلِ فيه وجهان :

--> - اللغة ( 12 / 443 ) ، ( لبس ) ، البحر ( 4 / 151 ) . ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 50 ) . ( 2 ) روى عن أبيه ومعقل بن يسار توفي سنة 113 ه انظر التهذيب ( 10 / 217 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 2 / 767 ) ، كتاب الصيام ( 33 - 90 ) .