أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

462

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ذلك في كتب النحو ، وقد بيّنت ذلك في « شرح التسهيل » فليلتفت إليه . وإنّما وصفت الأيام ب « أخر » من حيث إنها جمع ما لا يعقل ، وجمع ما لا يعقل يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة ومعاملة جمع الإناث ، فمن الأول : وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى « 1 » ، ومن الثاني هذه الآية ونظائرها ، وإنما أوثر هنا معاملته معاملة الجمع لأنه لو جيء به مفردا فقيل : عدّة من أيام أخرى لأوهم أنه وصف لعدّة فيفوت المقصود . قوله : يُطِيقُونَهُ الجمهور على « يطيقونه » من أطاق يطيق ، مثل أقام يقيم . وقرأ حميد : « يطوقونه » من أطوق ، كقولهم : أطول في أطال ، وأغول في أغال ، وهذا تصحيح شاذ ، ومثله في الشذوذ من ذوات الواو : أجود بمعنى أجاد ، ومن ذوات الياء : أغيمت السماء وأجيلت ، وأغيلت المرأة ، وأطيبت ، وقد جاء الإعلال في الكلّ وهو القياس ، ولم يقل بقياس نحو : « أغيمت » و « أطول » إلا أبو زيد . وقرأ ابن عباس وابن مسعود : « يطوّقونه » مبنيا للمفعول من طوّق مضعفا على وزن قطّع . وقرأت عائشة وابن دينار : « يطّوّقونه » بتشديد الطاء والواو من أطوق ، وأصله تطوّق ، فلمّا أريد إدغام التاء في الطاء قلبت طاء ، واجتلبت همزة الوصل لتمكّن الابتداء بالساكن ، وقد تقدّم تقرير ذلك في قوله : أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما « 2 » . وقرأ عكرمة وطائفة : « يطّيّقونه » بفتح الياء وتشديد الطاء والياء ، وتروى عن مجاهد أيضا . وقرئ أيضا هكذا لكن ببناء الفعل للمفعول . وقد ردّ بعض الناس هذه القراءة . وقال ابن عطية : « تشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف » وإنما قالوا ببطلان هذه القراءة لأنها عندهم من ذوات الواو وهو الطّوق ، فمن أين تجيء الياء ؟ وهذه القراءة ليست باطلة ولا ضعيفة ، ولها تخريج حسن : وهو أنّ هذه القراءة ليست من تفعّل حتى يلزم ما قالوه من الإشكال ، وإنما هي من تفيعل ، والأصل : تطيوق من الطّوق ، كتديّر وتحيّر من الدّوران ، والحور ، والأصل : تديور وتحيور ، فاجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، فكان الأصل : يتطيوقونه ، ثم أدغم بعد القلب ، فمن قرأه « يطّيّقونه » بفتح الياء بناه للفاعل ، ومن ضمّها بناه للمفعول . وتحتمل قراءة التشديد في الواو أو الياء أن تكون للتكلف ، أي : يتكلّفون إطاقته ، وذلك مجاز من الطّوق الذي هو القلادة ، كأنه بمنزلة القلادة في أعناقهم . وأبعد من زعم أنّ « لا » محذوفة قبل « يطيقونه » وأنّ التقدير : « لا يطيقونه » ونظّره بقوله : 844 - فحالف فلا واللّه تهبط تلعة * من الأرض إلّا أنّت للذّلّ عارف « 3 » وقوله : 845 - آليت أمدح مغرما أبدا * يبقى المديح ويذهب الرّفد « 4 » وقوله : 846 - فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي « 5 »

--> ( 1 ) سورة طه ، آية ( 18 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 158 ) . ( 3 ) البيت من شواهد الكتاب ( 3 / 105 ) . ( 4 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 36 ) . ( 5 ) البيت لامرئ القيس انظر ديوانه ( 125 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 3 / 504 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 163 ) ،