أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
463
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المعنى : لا تهبط ولا أمدح ولا أبرح . وهذا ليس بشيء ، لأنّ حذفها ملبس ، وأمّا الأبيات المذكورة فلدلالة القسم على النفي . والهاء في « يطيقونه » للصوم ، وقيل : للفداء ، قاله الفراء . و فِدْيَةٌ مبتدأ ، خبره في الجارّ قبله . والجماعة على تنوين « فدية » ورفع « طعام » وتوحيد « مسكين » وهشام كذلك إلّا أنه قرأ : « مساكين » جمعا ، ونافع وابن ذكوان بإضافة « فدية » إلى « طعام مساكين » جمعا . فالقراءة الأولى يكون « طعام » بدلا من « فدية » بيّن بهذا البدل المراد بالفدية ، وأجاز أبو البقاء أن يكون خبر مبتدإ محذوف ، أي : هي طعام . وأما إضافة الفدية للطعام فمن باب إضافة الشيء إلى جنسه ، والمقصود به البيان كقولك . خاتم حديد وثوب خزّ وباب ساج ، لأنّ الفدية تكون طعاما وغيره . وقال بعضهم : « يجوز أن تكون هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى الصفة ، قال : « لأنّ الفدية لها ذات وصفتها أنّها طعام » وهذا فاسد ، لأنّه : إمّا أن يريد بطعام المصدر بمعنى الإطعام كالعطاء بمعنى الإعطاء ، أو يريد به المفعول ، وعلى كلا التقديرين فلا يوصف به ؛ لأن المصدر لا يوصف به إلا عند المبالغة ، وليست مرادة هنا ، والذي بمعنى المفعول ليس جاريا على فعل . ولا ينقاس ، لا تقول : ضراب بمعنى مضروب ، ولا قتال بمعنى مقتول ، ولكونها غير جارية على فعل لم تعمل عمله ، لا تقول : « مررت برجل طعام خبزه » وإذا كان غير صفة فكيف يقال : أضيف الموصوف لصفته ؟ . و 7 نّما أفردت « فدية » لوجهين : أحدهما : أنّها مصدر والمصدر يفرد ، والتاء فيها ليست للمرّة ، بل لمجرّد التأنيث . والثاني : أنه لمّا أضافها إلى مضاف إلى الجمع أفهمت الجمع وهذا في قراءة « مساكين » بالجمع . ومن جمع « مساكين » فلمقابلة الجمع بالجمع ، ومن أفرد فعلى مراعاة إفراد العموم ، أي : وعلى كلّ واحد ممّن يطيق الصوم لكلّ يوم يفطره إطعام مسكين . ونظيره : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً « 1 » . وتبيّن من إفراد « المسكين » أنّ الحكم لكلّ يوم يفطر فيه مسكين ، ولا يفهم ذلك من الجمع . والطعام : المراد به الإطعام ، فهو مصدر ، ويضعف أن يراد به المفعول ، قال أبو البقاء : « لأنه أضافه إلى المسكين ، وليس الطعام للمسكين قبل تمليكه إياه ، فلو حمل على ذلك لكان مجازا ، لأنه يصير تقديره : فعليه إخراج طعام يصير للمساكين ، فهو من باب تسمية الشيء ، بما يؤول إليه ، وهو وإن كان جائزا إلا أنه مجاز والحقيقة أولى منه » . قوله : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قد تقدّم نظيره والكلام مستوفى عليه عند قوله : « فمن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ » « 2 » فليلتفت إليه . والضمير في قوله : « فهو » ضمير المصدر المدلول عليه بقوله : « فمن تطوّع » أي : فالتطوع خير له . و « له » في محلّ رفع لأنه صفة لخير ، فيتعلّق بمحذوف ، أي : خير كائن له . قوله : وَأَنْ تَصُومُوا في تأويل مصدر مرفوع بالابتداء تقديره : « صومكم » و « خير » خبره . ومثله :
--> - الخصائص ( 2 / 284 ) ، الدرر ( 2 / 42 ) ، أبرح قاعدا : لا أبرح قاعدا مكاني ، وأوصالي : مفاصلي . ( 1 ) سورة النور ، آية ( 4 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 158 ) .