أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

446

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه فاعل بفعل محذوف ، أي : وجب لهم ذلك . والثاني : أنّ « ذلك » مبتدأ ، و « بأنّ اللّه » خبره ، أي : ذلك العذاب مستحقّ بما أنزل اللّه في القرآن من استحقاق عذاب الكافر . والثالث : أنه خبر والمبتدأ محذوف ، أي الأمر ذلك ، والإشارة إلى العذاب ، ومن قاله بأنه نصب قدّره : فعلنا ذلك ، والباء متعلقة بذلك المحذوف ومعناها السببية . قوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا : قرأ الجمهور برفع « البر » ، وحمزة وحفص عن عاصم بنصبه . فقراءة الجمهور على أنه اسم « ليس » ، و « أن تولّوا » خبرها في تأويل مصدر ، أي : ليس البرّ توليتكم . ورجّحت هذه القراءة من حيث إنه ولي الفعل مرفوعه قبل منصوبه . وأمّا قراءة حمزة وحفص فالبرّ خبر مقدّم ، و « أن تولّوا » اسمها في تأويل مصدر . ورجّحت هذه القراءة بأنّ المصدر المؤول أعرف من المحلّى بالألف واللام ، لأنه يشبه الضمير من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به ، والأعرف ينبغي أن يجعل الاسم ، وغير الأعرف الخبر . وتقديم خبر ليس على سمها قليل حتى زعم منعه جماعة ، منهم ابن درستويه « 1 » قال : لأنها تشبه « ما » الحجازية ، ولأنها حرف على قول جماعة ، ولكنه محجوج بهذه القراءة المتواترة وبقول الشاعر : 827 - سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم * وليس سواء عالم وجهول « 2 » وقال آخر : 828 - أليس عظيما أن تلمّ ملمّة * وليس علينا في الخطوب معوّل « 3 » وفي مصحف أبيّ وعبد اللّه : « بأن تولّوا » بزيادة الباء وهي واضحة ، فإنّ الباء تزاد في خبر « ليس » كثيرا . وقوله : قِبَلَ منصوب على الظرف المكاني بقوله : « تولّوا » ، وحقيقة قولك : « زيد قبلك » : أي في المكان الذي قبلك فيه ، وقد يتسّع فيه فيكون بمعنى « عند » نحو : « قبل زيد دين » أي : عنده دين . قوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ في هذه الآية خمسة أوجه : أحدها : أنّ « البرّ » اسم فاعل من برّ يبرّ فهو برّ ، والأصل : برر بكسر الراء الأولى بزنة « فطن » ، فلما أريد الإدغام نقلت كسرة الراء إلى الباء بعد سلبها حركتها ، فعلى هذه القراءة لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويل لأنّ البرّ من صفات الأعيان ، كأنه قيل : ولكن الشخص البرّ من آمن . الثاني : أنّ في الكلام حذف مضاف من الأول تقديره : « ولكنّ ذا البرّ من آمن » .

--> ( 1 ) عبد اللّه بن جعفر بن درستويه - بضم الدال والراء وضبطه ابن ماكولا بالفتح صنف الإرشاد في النحو ، وشرح الفصيح توفي سنة 347 ه البغية ( 2 / 36 ) . ( 2 ) البيت للسموأل بن عادياء شرح ابن عقيل ( 1 / 273 ) ، العيني ( 2 / 76 ) ، الأشموني ( 1 / 232 ) ، ( يدنس ) ، الدنس : هو الوسخ والقذر ، ( اللؤم ) اسم جامع للخصال الدنيئة ومقابح الصفات ( الضيم ) ، الظلم . ( 3 ) البيت لعروة بن الورد انظر ديوانه ( 131 ) ، وهو من شواهد البحر ( 2 / 3 ) ، الحماسة ( 1 / 595 ) .