أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
447
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثالث : أن يكون الحذف من الثاني ، أي : ولكن البرّ برّ من آمن ، وهذا تخريج سيبويه واختياره ، وإنما اختاره لأنّ السابق إنما هو نفي كون البر هو تولية الوجه قبل المشرق والمغرب ، فالذي يستدرك إنما هو من جنس ما ينفى ، ونظير ذلك : « ليس الكرم أن تبذل درهما ولكن الكرم بذل الآلاف » ولا يناسب « ولكن الكريم من يبذل الآلاف » . الرابع : أن يطلق المصدر على الشخص مبالغة نحو : « رجل عدل » . ويحكى عن المبرد : « لو كنت ممّن يقرأ لقرأت : « ولكنّ البرّ » بفتح الباء وإنما قال ذلك لأن « البرّ » اسم فاعل تقول : برّ يبرّ فهو بارّ وبرّ ، فتارة تأتي به على فاعل وتارة على فعل . الخامس : أن المصدر وقع موقع اسم الفاعل نحو : « رجل عدل » أي عادل ، كما قد يقع اسم الفاعل موقعه نحو : « أقائما وقد قعد الناس » في قول ، وهذا رأي الكوفيين . والأولى فيه ادّعاء أنه محذوف من فاعل ، وأن أصله بارّ ، فجعل « برّا » ك « سرّ » ، وأصله : سارّ ، وربّ أصله رابّ . وقد تقدّم ذلك . وجعل الفراء « من آمن » واقعا موقع « الإيمان » فأوقع اسم الشخص على المعنى كعكسه ، كأنه قال : « ولكنّ البرّ الإيمان باللّه » . قال : « والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل وأنشد : 829 - لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى * ولكنّما الفتيان كلّ فتى ندي « 1 » جعل نبات اللحية خبرا للفتيان ، والمعنى : لعمرك ما الفتوة أن تنبت اللّحى . وقرأ نافع وابن عامر : « ولكن البرّ » هنا وفيما بعد بتخفيف لكن ، وبرفع « البرّ » ، والباقون بالتشديد والنصب ، وهما واضحتان ممّا تقدّم في قوله : وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا « 2 » ، وقرئ : « ولكنّ البارّ » بالألف وهي تقوّي أنّ « البرّ » بالكسر المراد به اسم الفاعل لا المصدر . ووحّد « الكتاب » لفظا والمراد به الجمع ، وحسّن ذلك كونه مصدرا في الأصل ، أو أراد به الجنس ، أو أراد به القرآن ، فإنّ من آمن به فقد آمن بكلّ الكتب فإنّه شاهد لها بالصحة . قوله : عَلى حُبِّهِ في محلّ نصب على الحال ، العامل فيه « آتى » ، أي : آتى المال حال محبّته له واختياره إياه . والحبّ مصدر حببت لغة في أحببت كما تقدّم ، ويجوز أن يكون مصدر الرباعي على حذف الزوائد ، ويجوز أن يكون اسم مصدر وهو الإحباب كقوله : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً « 3 » . والضمير المضاف إليه هذا المصدر فيه أربعة أقوال : أظهرها : أنه يعود على المال لأنه أبلغ من غيره كما ستقف عليه . الثاني : أنه يعود على الإيتاء المفهوم من قوله : « آتى » أي : على حبّ الإيتاء ، وهذا بعيد من حيث المعنى .
--> ( 1 ) البيت من شواهد المغني ( 2 / 691 ) ، وانظر معاني القرآن للفراء ( 1 / 105 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 102 ) . ( 3 ) سورة نوح ، آية ( 17 ) .