أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

441

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وفي قوله : وَاشْكُرُوا لِلَّهِ التفات من ضمير المتكلّم إلى الغيبة ، إذ لو جرى على الأسلوب الأول لقال : « واشكرونا » . قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ : الجمهور قرأوا « حرّم » مشدّد مبنيا للفاعل ، « الميتة » نصبا ، على أنّ « ما » كافة مهيّئة لإنّ في الدخول على هذه الجملة الفعلية ، وفاعل « حرّم » ضمير اللّه تعالى . و « الميتة » مفعول به . وابن أبي عبلة برفع الميتة وما بعدها . وتخريج هذه القراءة سهل ، وهو أن تكون « ما » موصولة ، و « حرّم » صلتها ، والفاعل ضمير اللّه تعالى ، والعائد محذوف لاستكمال الشروط ، تقديره : حرّمه ، والموصول وصلته في محلّ نصب اسم « إنّ » و « الميتة » خبرها . وقرأ أبو جعفر : « حرّم » مبنيا للمفعول ، فتحتمل « ما » في هذه القراءة وجهين : أحدهما : أن تكون « ما » مهيّئة ، و « الميتة » مفعول ما لم يسمّ فاعله . والثاني : أن تكون موصولة ، فمفعول « حرّم » القائم مقام الفاعل ضمير مستكن يعود على « ما » الموصولة ، و « الميتة » خبر « إنّ » . وقرأ أبو عبد الرحمن السّلمي « 1 » : « حرم » بضمّ الراء مخففة ، و « الميتة » رفعا و « ما » تحتمل الوجهين أيضا ، فتكون مهيئة ، و « الميتة » فاعل بحرم ، أو موصولة ، والفاعل ضمير يعود على « ما » ، وهي اسم « إنّ » ، و « الميتة » خبرها . والجمهور على تخفيف « الميتة » في جميع القرآن ، وأبو جعفر بالتشديد وهو الأصل ، وهذا كما تقدّم في أنّ « الميت » مخفّف من « الميّت » وأن أصله : ميوت ، وهما لغتان ، وسيأتي تحقيق ذلك عند قوله : يخرج الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ « 2 » في آل عمران . ويحكى عن قدماء النحاة أن « الميت » بالتخفيف من فارقت روحه جسده ، وبالتشديد من عاين أسباب الموت ولم يمت . وحكى ابن عطية عن أبي حاتم أنّ ما قد مات يقالان فيه ، وما لم يمت بعد لا يقال فيه بالتخفيف ، ثم قال : « ولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت إلا ما روى البزي عن ابن كثير : وَما هُوَ بِمَيِّتٍ « 3 » . وأمّا قوله : 820 - إذا ما مات ميت من تميم * فسرّك أن يعيش فجئ بزاد « 4 » فقد حمل على من شارف الموت ، وحمله على الميت حقيقة أبلغ في الهجاء . وأصل « ميّتة » : ميوتة ، فأعلّت بقلب الواو ياء وإدغام الياء فيها ، وقال الكوفيون : أصله : مويت ، ووزنه فعيل . واللحم معروف ، وجمعه لحوم ولحمان ، يقال : لحم الرجل بالضم لحامة فهو لحيم ، أي : غلظ ، ولحم

--> ( 1 ) عبد اللّه بن حبيب أبو عبد الرحمن السلمي تابعي ثقة توفي سنة 194 ه غاية النهاية ( 1 / 413 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 27 ) . ( 3 ) سورة إبراهيم ، آية ( 17 ) . ( 4 ) البيت لأبي المهوس انظر اللسان « لفف » ، القرطبي ( 2 / 146 ) .