أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
432
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
811 - بيوم الشّعثمين لقرّ عينا * وكيف لقاء من تحت القبور ( 1 ) واستدلّ هذا القائل أيضا بأنّ « أنّ » تفتح بعد « لو » كما تفتح بعد ليت في قوله : 812 - يا ليت أنّا ضمّنا سفينة * حتّى يعود البحر كيّنونه « 2 » وههنا فائدة ينبغي أن ينتبه لها وهي : أنّ النحاة قالوا : « كلّ موضع نصب فيه المضارع بإضمار أن بعد الفاء إذا سقطت الفاء جزم إلا في النفي » ، وينبغي أن يزاد هذا الموضع أيضا فيقال : وإلا في جواب التمني ب « لو » ، فإنّه ينصب المضارع فيه بإضمار « أن » بعد الفاء الواقعة جوابا له ، ومع ذلك لو سقطت هذه الفاء لم يجزم . قال الشيخ « 3 » : « والسبب في ذلك أنها محمولة على حرف التمني وهو ليت ، والجزم في جواب ليت إنما هو لتضمّنها معنى الشرط أو لدلالتها على كونه محذوفا على اختلاف القولين فصارت « لو » فرع الفرع ، فضعف ذلك فيها . قوله : كَما الكاف موضعها نصب : إمّا على كونها نعت مصدر محذوف ، أي : تبرّؤا مثل تبرئتهم ، وإمّا على الحال من ضمير المصدر المعرّف المحذوف أي : نتبّرؤه - أي التبرؤ - مشابها لتبرئتهم ، كما تقدّم تقريره غير مرة . وقال ابن عطية : « الكاف في قوله « كما » في موضع نصب على النعت : إمّا لمصدر أو لحال تقديره : متبرئين كما » . قال الشيخ « 4 » : « وأمّا قوله « لحال تقديره متبرئين كما » فغير واضح ، لأنّ « ما » مصدرية فصارت الكاف الداخلة عليها من صفات الأفعال ، ومتبرئين من صفات الأعيان فكيف يوصف بصفات الأفعال » قال : « وأيضا لا حاجة لتقدير هذه الحال ؛ لأنها إذ ذاك تكون حالا مؤكدة ، وهي خلاف الأصل ، وأيضا فالمؤكّد ينافيه الحذف لأنّ التأكيد يقوّيه فالحذف يناقضه » . قوله : كَذلِكَ يُرِيهِمُ في هذه الكاف قولان : أحدهما : أنّ موضعها نصب : إمّا نعت مصدر محذوف ، أو حالا من المصدر المعرّف ، أي : يريهم رؤية كذلك ، أو يحشرهم حشرا كذلك ، أو يجزيهم جزاء كذلك ، أو يريهم الإراءة مشبهة كذلك ونحو هذا . والثاني : أن يكون موضعها رفعا على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : الأمر كذلك أو حشرهم كذلك قاله أبو البقاء . قال الشيخ « 5 » : « وهو ضعيف لأنه يقتضي زيادة الكاف وحذف مبتدأ ، وكلاهما على خلاف الأصل » . والإشارة بذلك إلى إراءتهم تلك الأهوال ، والتقدير : مثل إراءتهم الأهوال يريهم اللّه أعمالهم حسرات ، وقيل : الإشارة إلى تبرؤ بعضهم من بعض . والرؤية هنا تحتمل وجهين :
--> ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 374 ) ، الإنصاف ( 471 ) ، اللسان « كون » . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 74 ) . ( 4 ) انظر المصدر السابق . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 474 ) .