أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
431
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أنّها للحال أي : تقطّعت موصولة بهم الأسباب نحو : « خرج بثيابه » . الثاني : أن تكون للتعدية ، أي : قطّعتهم الأسباب كما تقول : تفرّقت بهم الطرق « أي : فرّقتهم » . الثالث : أن تكون للسببية ، أي : تقطّعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون بها النجاة . الرابع : أن تكون بمعنى « عن » ، أي : تقطّعت عنهم . والأسباب : الوصلات بينهم ، وهي مجاز ، فإن السبب في الأصل الحبل ثم أطلق على كلّ ما يتوصّل به إلى شيء : عينا كان أو معنى ، وقد تطلق الأسباب على الحوادث ، قال زهير : 808 - ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو نال أسباب السّماء بسلّم « 1 » وقد وجد هنا نوع من أنواع البديع هو الترصيع ، وهو عبارة عن تسجيع الكلام ، وهو هنا في موضعين ، أحدهما « اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا » ولذلك حذف عائد الموصول الأول فلم يقل : من الذين اتّبعوهم لفوات ذلك والثاني : « وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ » وهو كثير في القرآن وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ « 2 » . قوله تعالى : فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ : منصوب بعد الفاء بأن مضمرة في جواب التمني الذي أشربته « لو » ، ولذلك أجيبت بجواب « ليت » الذي في قوله : يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ « 3 » ، وإذا أشربت معنى التمني فهل هي الامتناعية المفتقرة إلى جواب أم لا تحتاج إلى جواب ؟ الصحيح أنها تحتاج إلى جواب ، وهو مقدّر في الآية تقديره : لتبرّأنا ونحو ذلك . وقيل : « لو » في هذه الآية ونظائرها لما كان سيقع لوقوع غيره ، وليس فيها معنى التمني ، والفعل منصوب ب « أن » مضمرة على تأويل عطف اسم على اسم وهو « كرّة » والتقدير : لو أنّ لنا كرة فتبرّؤا فهو من باب قوله : 809 - للبس عباءة وتقرّ عيني * . . . « 4 » ويكون جواب لو محذوفا أيضا كما تقدّم . وقال أبو البقاء : « فنتبرأ » منصوب بإضمار أن تقديره ؛ لو أنّ لنا أن نرجع فنتبرأ » فحلّ « كرة » إلى قوله « أن نرجع » لأنه بمعناه وهو قريب ، إلّا أنّ النّحويين يؤوّلون الفعل المنصوب بمصدر ليعطفوه على الاسم قبله ، ويتركون الاسم على حاله ، وذلك لأنه قد يكون اسما صريحا غير مصدر نحو : « لولا زيد ويخرج لأكرمتك » فلا يتأتّى تأويله بحرف مصدري وفعل . والقائل بأنّ « لو » التي للتمني لا جواب لها استدلّ بقول الشاعر : 810 - فلو نبش المقابر عن كليب * فتخبر بالذّنائب أيّ زور « 5 » وهذا لا يصحّ فإنّ جوابها في البيت بعده وهو قوله :
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 111 ) ، هاب : خاف . الأسباب : جمع سبب ما يتسبب عنه الموت كالحروب وغيرها . يرقى : يرتفع . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 267 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 73 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) البيت لمهلهل انظر الأصمعيات ( 154 ) ، الأشموني ( 4 / 32 ) ، شواهد البحر ( 1 / 374 ) .