أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

418

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَماتُوا هذه واو الحال ، والجملة في محل نصب على الحال ، وإثبات الواو هنا أفصح ، خلافا للفراء والزمخشري حيث قالا : إن حذفها شاذ . قوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ « أُولئِكَ » مبتدأ و « عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ » مبتدأ وخبر عن أولئك ، وأولئك وخبره خبر عن « إن » ويجوز في « لعنة » الرفع بالفاعلية بالجار قبلها لاعتمادها ، فإنه وقع خبرا عن أولئك ، وتقدم تحريره في : عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ « 1 » . قوله : وَالْمَلائِكَةِ الجمهور على جر الملائكة نسقا على اسم اللّه ، وقرأ الحسن بالرفع : « والملائكة والناس أجمعون » وخرجها النحويون على العطف على موضع اسم اللّه - تعالى - فإنه وإن كان مجرورا بإضافة المصدر إليه ، فموضعه رفع بالفاعلية ، لأن هذا المصدر ينحل لحرف مصدري وفعل ، والتقدير : أن لعنهم ، أو أن يلعنهم اللّه ، فعطف « الملائكة » على هذا التقدير . قال الشيخ « 2 » : وهذا ليس بجائز على ما تقرر من العطف على الموضع ، فإن من شرطه أن يكون ثم محرز للموضع وطالب له ، والطالب للرفع وجود التنوين في المصدر ، هذا إذا سلمنا أن « لعنة » تنحل لحرف مصدري وفعل ، لأن الانحلال لذلك شرطه أن يقصد به العلاج ألا ترى أن قوله : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ليس المعنى على تقدير : أن يلعن اللّه على الظالمين ، بل المراد اللعنة المستقرة وأضيف للّه - تعالى - على سبيل التخصيص لا على سبيل الحدوث ، ونقل عن سيبويه أن قولك : هذا ضارب زيدا غدا وعمرا بنصب « عمرا » أن نصبه بفعل محذوف ، وأبى أن ينصبه بالعطف على الموضع ، ثم بعد تسليمه ذلك كله قال : المصدر المنون لم يسمع بعده فاعل مرفوع ومفعول منصوب ، إنما قاله البصريون قياسا على أن والفعل ، ومنعه الفراء وهو الصحيح . ثم إنه خرج هذه القراءة الشاذة على أحد ثلاثة أوجه : الأول : أن تكون « الملائكة » مرفوعة بفعل محذوف أي : وتلعنهم الملائكة ، كما نصب سيبويه « عمرا » في قولك : « ضارب زيدا وعمرا » بفعل محذوف . الثاني : أن تكون الملائكة عطفا على « لعنة » بتقدير حذف مضاف : ولعنة الملائكة فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه . الثالث : أن يكون مبتدأ قد حذف خبره تقديره : والملائكة والناس أجمعون تلعنهم ، وهذه أوجه متكلفة ، وإعمال المصدر المنون ثابت غاية ما في الباب أنه قد يحذف فاعله كقوله : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً « 3 » وأيضا قد أتبعت العرب المجرور بالمصدر على موضعيه رفعا قال الشاعر : 778 - . . . * مشي الهلوك عليها الخيعل الفضل « 4 » برفع « الفضل » وهي صفة للهلوك على الموضع ، وإذا ثبت ذلك في النعت ثبت في العطف ، لأنهما تابعان من

--> ( 1 ) سورة البقرة ، اية ( 157 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 461 ) . ( 3 ) سورة البلد ، آية ( 14 ) . ( 4 ) عجز بيت للمتنخل الهذلي وصدره : السالك الثّغرة اليقظان سالكها . . . انظر ديوان الهذليين ( 2 / 34 ) ، الخصائص ( 2 / 167 ) ، الهمع ( 1 / 187 ) ، الأشموني ( 2 / 290 ) ، الدرر ( 1 / 160 ) .