أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
417
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : ما أَنْزَلْنا : مفعول بيكتمون و « أَنْزَلْنا » صلته ، وعائده محذوف ، أي أنزلناه و مِنَ الْبَيِّناتِ يجوز فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنها حال من ما الموصولة ، فيتعلق بمحذوف أي : كائنا بالبينات . الثاني : أن يتعلق بأنزلنا فيكون مفعولا به ، قاله أبو البقاء . وفيه نظر من حيث إنه إذا كان مفعولا به لم يتعد الفعل إلى ضمير ، وإذا لم يتعد إلى ضمير الموصول بقي الموصول بلا عائد . الثالث : أن يكون حالا من الضمير العائد على الموصول ، والعامل فيه « أنزلنا » لأنه عامل في صاحبها . قوله : مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ متعلق بيكتمون ، ولا يتعلق بأنزلنا ، لفساد المعنى لأن الإنزال لم يكن بعد التبيين ، وأما الكتمان فبعد التبيين ، والضمير في بيناه ، يعود على ما الموصولة ، وقرأ الجمهور « بيناه » وقرأ طلحة بن مصرف « بيّنه » على ضمير الغائب ، وهو التفات من التكلم إلى الغيبة و « الناس » متعلق بالفعل قبله . وقوله : فِي الْكِتابِ يحتمل وجهين : أحدهما : أنه متعلق بقوله : « بيناه » . والثاني : أن يتعلق بمحذوف ، لأنه حال من الضمير المنصوب في « بيناه » أي : بيناه حال كونه مستقرا كائنا في الكتاب . قوله : أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ يجوز في « أولئك » وجهان : أحدهما : أن يكون مبتدأ و « يلعنهم » خبره ، والجملة خبر « إن الذين » . الثاني : أن يكون بدلا من « الذين » و « يلعنهم » الخبر لأن قوله : ويلعنهم اللاعنون ، يحتمل أن يكون معطوفا على ما قبله ، وهو « يلعنهم اللّه » وأن يكون مستأنفا ، وأتى بصلة الذين فعلا مضارعا ، وكذلك بفعل اللعنة دلالة على التجدد والحدوث ، وأن هذا يتجدد وقتا فوقتا ، وكررت اللعنة تأكيدا في ذممهم وفي قوله : « يلعنهم اللّه » التفات ، إذ لو جرى على سنن الكلام لقال : نلعنهم لقوله : « أنزلنا » ولكن في إظهار هذا الاسم الشريف ما ليس في الضمير . قوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا : فيه وجهان : أحدهما : أن يكون استثناء متصلا ، والمستثنى منه هو الضمير في « يلعنهم » . الثاني : أن يكون استثناء منقطعا ، لأن الذين كتموا لعنوا قبل أن يتوبوا ، وإنما جاء الاستثناء لبيان قبول التوبة ، لأن قوما من الكاتمين لم يلعنوا ذكر ذلك أبو البقاء وليس بشيء .