أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
414
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أن يتعلق بما تضمنه قوله عليهم من الفعل ، إذا جعلناه رافعا لصلوات رفع الفاعل ، فعلى الأول يكون قد حذف الصفة بعد رحمة ، أي : ورحمة منه ، وعلى الثاني لا يحتاج إلى ذلك ، وقوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ نظير : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 1 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 158 ] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) قوله تعالى : إِنَّ الصَّفا : « الصفا » اسمها و مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ خبرها قال أبو البقاء : وفي الكلام حذف مضاف تقديره : طواف الصفا أو سعي الصفا ، وألف الصفا عن واو بدليل قلبها في التثنية واوا ، قالوا : صفوان والاشتقاق يدل عليه أيضا ، لأنه من الصفو وهو الخلوص ، والصفا الحجر الأملس ، وقيل : الذي لا يخالطه غيره من طين أو تراب ، ويفرق بين واحده وجمعه تاء التأنيث ، نحو : صفا كثير ، وصفاة واحدة ، وقد يجمع الصفا على فعول وأفعال قالوا : صفي بكسر الصاد وضمها كعصى وأصفاء ، والأصل صفوو وأصفاو ، فقلبت الواوان في « صفوو » ياءين ، والواو في أصفاء همزة ككساء وبابه ، والمروة : الحجارة الصغار فقيل اللينة وقيل : الصلبة وقيل المرهفة الأطراف ، وقيل البيض ، وقيل : السود وهما في الآية علمان لجبلين معروفين ، والألف واللام فيهما للغلبة كهما في البيت والنجم ، وجمعها مرو كقوله : 784 - وترى المرو إذا ما هجّرت * عن يديها كالفراش المشفتر « 2 » والشعائر : جمع شعيرة وهي العلامة ، وقيل : جمع شعارة ، والمراد بها في الآية مناسك الحج ، والأجود شعائر بالهمزة لزيادة حرف المد ، وهو عكس معائش ومصائب . قوله : فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ « من » شرطية في محل رفع بالابتداء و « حج » في محل جزم و « البيت » نصب على المفعول به لا على الظرف ، والجواب قوله : فَلا جُناحَ والحج لغة : القصد مرة بعد أخرى قال : 785 - لراهب يحجّ بيت المقدس * في منقل وبرجد وبرنس « 3 » والاعتمار الزيارة ، وقيل : مطلق القصد ، ثم صارا علمين بالغلبة في المعاني كالبيت والنجم في الأعيان . قوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ الظاهر أن « عليه » خبر « لا » و أَنْ يَطَّوَّفَ أصله : في أن يطوف ، فحذف حرف الجر فجيء في محلها القولان : النصب أو الجر والوقف في هذا الوجه على قوله : « بهما » ، وأجازوا بعد ذلك أوجها ضعيفة منها : أن يكون الكلام قد تم عند قوله « فلا جناح » على أن يكون خبر « لا » محذوفا وقدره أبو البقاء : « فلا جناح في الحج » ويبتدأ بقوله : « عليه أن يطوف » فيكون « عليه » خبرا مقدما ، وأن يطوف في تأويل مصغر مرفوع بالابتداء ، فإن الطواف واجب ، قال أبو البقاء هنا : والجيد أن يكون عليه في هذا الوجه خبرا و « أن يطوف مبتدأ » ومنها : أن يكون « عليه أن يطوف » من باب الإغراء فيكون « أن يطوف » في محل نصب كقولك عليك زيدا ، أي :
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 5 ) . ( 2 ) البيت لطرفة بن العبد انظر ديوانه ( 42 ) ، وهو من شواهد البحر ( 1 / 454 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 454 ) .