أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

415

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ألزمه إلا أن إغراء الغائب ضعيف ، حكى سيبويه : « عليه رجلا ليسنى » قال : وهو شاذ ، ومنها أن « أن يطوف » في محل رفع خبرا ثانيا ل « لا » والتقدير : فلا جناح الطواف بهما ، ومنها : « أن يطوف » في محل نصب على الحال من الهاء في عليه ، والعامل في الحال العامل في الخبر ، والتقدير : فلا جناح عليه في حال تطوافه بهما ، وهذان القولان ساقطان ذكرتهما تنبيها على غلطهما ، ولا فائدة في ذكر وجه الغلط إذ هو واضح بأدنى نظر ، وقراءة الجمهور « أن يطوف » بغير لا ، وقرأ أنس « 1 » وابن عباس وابن سيرين « 2 » وشهر بن حوشب « 3 » : « أن لا يطوف » قالوا : وكذلك في مصحفي أبي وعبد اللّه ، وفي هذه القراءة احتمالان : أحدهما : أنها زائدة كهي في قوله : « أن لا تسجد » « 4 » وقوله : 786 - وما ألوم البيض ألّا تسخرا * لمّا رأين الشّمط القفندرا « 5 » وحينئذ يتحد معنى القراءتين . الثاني : أنها غير زائدة بمعنى أن رفع الجناح في فعل الشيء ، هو رفع في تركه ، إذ هو تخير بين الفعل والترك نحو : « فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا » « 6 » فتكون قراءة الجمهور فيها رفع الجناح في فعل الطواف نصا ، وفي هذه رفع الجناح في الترك نصا . وقرأ الجمهور : « يطّوّف » بتشديد الطاء والواو ، والأصل : يتطوف ، وماضيه كان أصله : « تطوف » فلما أريد الإدغام تخفيفا قلبت التاء طاء وأدغمت في الطاء فاحتيج إلى همزة وصل لسكون أوله لأجل الإدغام ، فأتى بها فجاء مضارعه عليه : يطوف ، فانحذفت همزة الوصل لتحصن الحرف المدغم بحرف المضارعة ، ومصدره على التطوف رجوعا إلى أصل تطوف ، وقرأ أبو السمال : « يطوف » مخففا من طاف يطوف وهي سهلة ، وقرأ ابن عباس : « يطّاف » بتشديد الطاء مع الألف ، وأصله يطتوف على وزن يفتعل ، وماضيه : اطتوف افتعل تحركت الواو وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، ووقعت تاء الافتعال بعد الطاء ، فوجب قلبها طاء وإدغام الطاء فيها كما قالوا : اطلب يطلب والأصل : اطتلب يتطلب فصار : اطّاف ، وجاء مضارعه عليه : يطّاف هذا هو تصريف هذه اللفظة من كون تاء الافتعال تقلب طاء وتدغم فيها الطاء الأولى ، وقال ابن عطية : فجاء يطتاف أدغمت التاء بعد الإسكان في الطاء على مذهب من أجاز إدغام الثاني في الأول ، كما جاء في « مدكر » ومن لم يجز ذلك قال : قلبت التاء طاء ثم أدغمت الطاء في الطاء ، وفي هذا نظر لأن الأصل أدغم في الزائد وذلك ضعيف . وهذا الذي قاله ابن عطية فيه خطأ من وجهين : أحدهما : كونه يدعي إدغام الثاني في الأول ، وذلك لا نظير له إنما يدغم الأول في الثاني . والثاني : أنه قال كما جاء في « مدكر » لأنه كان ينبغي على قوله أن يقال : مذكر بالذال المعجمة ، وهذه لغة

--> ( 1 ) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم البخاري الخزرجي الأنصاري أبو ثمامة أبو حمزة . صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخادمه وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة سنة 93 ه ابن سعد ( 7 / 10 ) ، صفة الصفوة ( 1 / 298 ) ، الأعلام ( 2 / 24 ) . ( 2 ) محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء ، أبو بكر إمام وقته في علوم الدين بالبصرة تابعي ثقة توفي سنة 110 ه تهذيب التهذيب ( 9 / 214 ) ، حلية الأولياء ( 2 / 263 ) . ( 3 ) شهر بن حوشب الأشعري فقيه قارئ من رجال الحديث شامي الأصل سكن بغداد توفي سنة 100 ه تهذيب التهذيب ( 4 / 369 ) ، الأعلام ( 3 / 178 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 12 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 230 ) .