أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

402

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الجواب والجزاء ، قال : والذي تحصل فيها أنها لا تقع ابتداء كلام بل لا بد أن يسبقها كلام لفظا ، أو تقديرا ، وما بعدها في اللفظ أو التقدير وإن كان متسببا عما قبلها فهي في ذلك على وجهين أحدهما : أن تدل على إنشاء الارتباط والشرط بحيث لا يفهم الارتباط من غيرها مثال ذلك : أزورك فتقول : إذا أزورك ، فإنما تريد الآن أن تجعل فعله شرطا لفعلك ، وإنشاء السببية في ثاني حال من ضرورته أن يكون في الجواب ، وبالفعلية في زمان مستقبل ، وفي هذا الوجه تكون عاملة ولعملها شروط مذكورة في النحو . الوجه الثاني : أن تكون مؤكدة لجواب ارتبط بمقدم ، أو منبهة على مسبب حصل في الحال ، وهي في الحالين غير عاملة لأن المؤكدات لا يعتمد عليها ، والعامل يعتمد عليه ، وذلك نحو : « إن تأتني إذا آتيك » و « واللّه إذا لأفعلن » فلو أسقطت إذا لفهم الارتباط ، ولما كانت في هذا الوجه غير معتمدة عليها جاز دخولها على الجملة الاسمية الصريحة ، نحو : « أزورك » فتقول : « إذا أنا أكرمك » ، وجاز توسطها نحو : « أنا إذا أكرمك » وتأخرها وإذا تقرر هذا فجاءت « إذا » في الآية مؤكدة للجواب المرتبط بما تقدم ، وإنما قررت معناها هنا لأنها كثيرة الدور في القرآن فتحتمل في كل موضع على ما يناسب من هذا الذي قررناه انتهى كلامه . واعلم أنها إذا تقدمها عاطف جاز إعمالها وإهمالها وهو الأكثر ، وهي مركبة من همزة وذال ونون ، وقد شبهت العرب نونها بتنوين المنصوب فقلبوها في الوقف ألفا وكتبوها الكتاب على ذلك ، وهذا نهاية القول فيها . وجاء في هذا المكان مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ وقال قبل هذا : بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ « 1 » وفي الرعد : بَعْدِ ما جاءَكَ « 2 » فلم يأت ب « من » الجارة إلا هنا ، واختص موضعا بالذي وموضعين ب « ما » فما الحكمة في ذلك ؟ والجواب ما ذكره بعضهم « 3 » ، وهو أن الذي أخص و « ما » أشد إبهاما فحيث أتى بالذي أشير به إلى العلم بصحة الدين الذي هو الإسلام المانع من ملتي اليهود والنصارى ، فكان اللفظ الأخص الأشهر أولى فيه ، لأنه علم بكل أصول الدين ، وحيث أتى بلفظ « ما » أشير به إلى العلم بركن من أركان الدين أحدهما : القبلة ، والآخر : بعض الكتاب لأنه أشار إلى قوله : وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ « 4 » قال : وأما دخول « من » ففائدته ظاهرة وهي بيان أول الوقت الذي وجب « على » عليه السّلام أن يخالف أهل الكتاب في قبلتهم ، والذي يقال في هذا : إنه من باب التنوع في البلاغة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 146 إلى 147 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ : فيه ستة أوجه : أظهرها : أنه مرفوع بالابتداء ، والخبر وقوله « يعرفونه » . الثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هم الذين آتيناهم . الثالث : النصب بإضمار أعني .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 120 ) . ( 2 ) سورة الرعد ، آية ( 37 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 433 ) . ( 4 ) سورة الرعد ، آية ( 36 ) .