أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

389

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ جملة من مبتدأ وخبر ، معطوفة على قوله : « قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ » ، فهي في محل نصب بالقول قال الزمخشري : وهذا العطف يرد قول من زعم أن « صِبْغَةَ اللَّهِ » بدل من « ملة » ، أو نصب على الإغراء ، بمعنى عليكم صبغة اللّه ، لما فيه من فك النظم ، وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه . قال الشيخ « 1 » : وتقديره في الإغراء عليكم صبغة ليس بجيد ، لأن الإغراء إذا كان بالظروف والمجرورات لا يجوز حذف ذلك الظرف ولا المجرور ، ولذلك حين ذكرنا وجه الإغراء قدرناه بالزموا صبغة اللّه انتهى . كأنه لضعف العمل بالظروف والمجرورات ضعف حذفها وإبقاء عملها . قوله تعالى : أَ تُحَاجُّونَنا : الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ . والجمهور : « أتحاجوننا » بنونين ، الأولى للرفع ، والثانية نون « نا » ، وقرأ زيد والحسن والأعمش بالإدغام ، وأجاز بعضهم حذف النون الأولى ، فأما قراءة الجمهور فواضحة ، وأما قراءة الإدغام فلاجتماع مثلين ، وسوغ الإدغام وجود حرف المد واللين قبله القائم مقام الحركة ، وأما من حذف ، فبالحمل على نون الوقاية كقراءة : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ « 2 » وقوله : 704 - تراه كالثّغام يعلّ مسكا * يسوء الفاليات إذا فليني « 3 » يريد : فلينني ، وهذه الآية مثل قوله : « أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ » « 4 » ، فإنه قرئت بالأوجه الثلاثة : الفك والإدغام والحذف ، ولكن في المتواترة ، وهنا لم يقرأ في المشهور كما تقدم إلا بالفك ، ومحل هذه الجملة النصب بالقول قبلها ، والضمير في « قل » يحتمل أن يكون للنبي عليه الصلاة والسّلام ، أو لكل من يصلح للخطاب ، والضمير المرفوع في « أتحاجوننا » لليهود والنصارى ، أو لمشركي العرب ، والمحاجة مفاعلة من حجه يحجه ، وقوله : « في اللّه » لا بد من حذف مضاف ، أي : في شأن اللّه ، أو دين اللّه . قوله : وَهُوَ رَبُّنا مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال ، وكذا ما عطف عليه من قوله : وَلَنا أَعْمالُنا ، ولا بد من حذف مضاف أي : جزاء أعمالنا ، ولكم جزاء أعمالكم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 140 إلى 141 ] أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 141 ) قوله تعالى : أَمْ تَقُولُونَ : قرأ حمزة والكسائي وحفص وابن عامر بتاء الخطاب ، والباقون بالياء ، فأما قراءة الخطاب فتحتمل « أم » فيها وجهين :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 412 ) . ( 2 ) سورة الحجر ، آية ( 54 ) . ( 3 ) البيت لعمرو بن معديكرب وهو من شواهد الكتاب ( 3 / 520 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 91 ) ، الهمع ( 1 / 95 ) ، الدرر ( 1 / 43 ) ، الخزانة ( 2 / 445 ) ، المغني ( 2 / 621 ) ، اللسان « فلا » . شرح الحماسة للمرزوقي ( 294 ) ، معاني الفراء ( 2 / 90 ) ، يصف شعره أن الشيب قد شمله . والثغام . كسحاب : نبت له نور أبيض مبجل بالمسك : يطيب به ، وأصل العلل الشرب بعد الشرب . يسود الفاليات بما صار إليه من الشيب . ( 4 ) سورة الزمر ، آية ( 64 ) .