أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

390

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أن تكون المتصلة والتعادل بين هذه الجملة ، وبين قوله : أتحاجوننا فالاستفهام عن وقوع أحد هذين الأمرين : المحاجة في اللّه ، أو ادعاء على إبراهيم ، ومن ذكر معه اليهودية والنصرانية ، وهو استفهام إنكار وتوبيخ كما تقدم ، فإن كلا الأمرين باطل . والثاني : أن تكون المنقطعة فتتقدر ب « بل » ، والهمزة على ما تقرر في المنقطعة على أصح المذاهب والتقدير : بل أتقولون ، والاستفهام للإنكار والتوبيخ أيضا ، فيكون قد انتقل عن قوله : أتحاجوننا ، وأخذ في الاستفهام عن قضية أخرى ، والمعنى على إنكار نسبة اليهودية والنصرانية إلى إبراهيم ومن ذكر معه . وأما قراءة الغيبة ، فالظاهر أن « أم » فيها منقطعة على المعنى المتقدم ، وحكى الطبري عن بعض النحويين أنها متصلة ، لأنك إذا قلت : أتقوم أم يقوم عمرو : أيكون هذا أم هذا ، ورد ابن عطية هذا الوجه فقال : هذا المثال غير جيد ، لأن القائل فيه واحد والمخاطب واحد والقول في الآية من اثنين والمخاطب اثنان غيران ، وإنما تتجه معادلة أم للألف على الحكم المعنوي ، كأن معنى قل أتحاجوننا : أيحاجون يا محمد أم يقولون انتهى . وقال الزمخشري : وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلا منقطعة . قال الشيخ « 1 » : ويمكن الاتصال مع قراءة الياء ، ويكون ذلك من الالتفات إذ صار فيه « خروج » من خطاب إلى غيبة ، والضمير لناس مخصوصين ، وقال أبو البقاء : أم يقولون يقرأ بالياء ردا على قوله : « فسيكفيكم اللّه » فجعل هذه الجملة متعلقة بقوله : « فسيكفيكهم » ، وحينئذ لا تكون إلا منقطعة لما عرفت أن من شرط المتصلة تقدم همزة استفهام أو تسوية مع أن المعنى ليس على أن الانتقال من قوله : « فسيكفيكهم » إلى قوله : « أم يقولون » حتى يجعله ردا عليه ، وهو بعيد عنه لفظا ومعنى . وقال الشيخ « 2 » : الأحسن في القراءتين أن تكون « أم » منقطعة وكأنه أنكر عليهم محاجتهم في اللّه ، ونسبة أنبيائه لليهودية والنصرانية ، وقد وقع منهم ما أنكر عليهم ألا ترى إلى قوله : قل يا أَهْلَ الْكِتابِ لما تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ الآيات « 3 » ، وإذا جعلناها متصلة كان ذلك غير متضمن وقوع الجملتين ؛ بل إحداهما ، وصار السؤال عن تعيين إحداهما ، وليس الأمر كذلك ، إذ وقع معا ، وهذا الذي قاله الشيخ حسن جدا ، و « أو » في قوله : هُوداً أَوْ نَصارى « 4 » كهي في قوله : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، وقد تقدم تحقيقه . قوله : أَمِ اللَّهُ أم متصلة ، والجلالة عطف على أنتم ، ولكنه فصل بين المتعاطفين بالمسؤول عنه ، وهو أحسن الاستعمالات الثلاثة : وذلك أنه يجوز في مثل هذا التركيب ثلاثة أوجه تقدم المسؤول عنه نحو : أأعلم أنتم أم اللّه ، وتوسطه نحو : أأنتم أعلم أم اللّه ، وتأخيره نحو : أأنتم أم اللّه أعلم ، وقال أبو البقاء : أم اللّه مبتدأ والخبر محذوف ، أي : أم اللّه أعلم ، و « أم » هنا المتصلة أي : أيكم أعلم ، وهذا الذي قاله فيه نظر ، لأنه إذا قدر له خيرا صناعيا صار جملة ، وأم المتصلة لا تعطف الجملة بل المفرد ، وما في معناه ، وليس قول أبي البقاء بتفسير معنى فيغتفر له ذلك بل تفسير إعراب ، والتفضيل في قوله : « أعلم » على سبيل الاستهزاء ، وعلى تقدير أن يظن بهم علم من الجهلة ، وإلا فلا مشاركة ، ونظيره قول حسان :

--> ( 1 ) البحر المحيط ( 1 / 414 ) . ( 2 ) البحر المحيط ( 1 / 414 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 65 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 111 ) .