أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

388

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : صِبْغَةَ اللَّهِ : قرأ الجمهور « صبغة » بالنصب وقال الطبري : من قرأ ملة إبراهيم بالرفع قرأ صبغة بالرفع ، وقد تقدم أنها قراءة ابن هرمز ، وابن أبي عبلة ، فأما قراءة الجمهور ففيها أربعة أوجه : أحدها : أن انتصابها انتصاب المصدر المؤكد ، وهذا اختاره الزمخشري ، وقال : هو الذي ذكر سيبويه والقول ما قالت حذام انتهى . قوله واختلف حينئذ عن ماذا انتصب هذا المصدر ؟ فقيل عن قوله : قولوا آمنا ، وقيل عن قوله : ونحن له مسلمون ، وقيل عن قوله : فقد اهتدوا . الثاني : أن انتصابها على الإغراء أي : الزموا صبغة اللّه . قال الشيخ « 1 » : وهذا ينافره آخر الآية ، وهو قوله : « وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ » إلا أن يقدر هنا قول ، وهو تقدير لا حاجة إليه ، ولا دليل من الكلام عليه . الثالث : أنها بدل من « ملة » ، وهذا ضعيف إذ قد وقع الفصل بينهما بجمل كثيرة . الرابع : انتصابها بإضمار فعل أي : اتبعوا صبغة اللّه ، ذكره أبو البقاء مع وجه الإغراء ، وهو في الحقيقة ليس زائدا ، فإن الإغراء أيضا هو نصب بإضمار فعل . قال الزمخشري : وهي أي الصبغة من صبغ ، كالجلسة من جلس ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ ، والمعنى تطهير اللّه ، لأن الإيمان يطهر النفوس ، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء المعمودية ، ويقولون هو تطهير لهم ، فأمر المسلمون أن يقولوا : آمنا وصبغنا اللّه صبغة لا مثل صبغتكم ، وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار : اغرس كما يغرس فلان ، تريد رجلا يصطنع الكرام . وأما قراءة الرفع فتحتمل وجهين : أحدهما : أنها خبر مبتدأ محذوف ، أي : ذلك الإيمان صبغة اللّه . والثاني : أن تكون بدلا من ملة ، لأن من رفع صبغة رفع « ملة » كما تقدم ، فتكون بدلا منها كما قيل بذلك في قراءة النصب . قوله : وَمَنْ أَحْسَنُ مبتدأ وخبر ، وهذا استفهام معناه النفي ، أي : لا أحد ، و « أحسن » هنا فيها احتمالان : أحدهما : أنها ليست للتفضيل ، إذ صبغة غير اللّه منتف عنها الحسن . والثاني : أن يراد التفضيل باعتبار من يظن أن في صبغة غير اللّه حسنا لا أن ذلك بالنسبة إلى حقيقة الشيء . و مِنَ اللَّهِ متعلق بأحسن فهو في محل نصب و صِبْغَةَ نصب على التمييز من أحسن ، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ والتقدير : ومن صبغته أحسن من صبغة اللّه ، فالتفضيل إنما يجري بين الصبغتين لا بين الصابغين ، وهذا غريب ، أعني كون التمييز منقولا من المبتدأ .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 412 ) .