أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
342
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ في هذا الجار ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق بود أي : ودوا ذلك من قبل شهواتهم لا من قبل التدين و « من » لابتداء الغاية . الثاني : أنه صفة ل « حسدا » فهو في محل نصب ، ويتعلق بمحذوف أي : حسدا كائنا من قبلهم وشهوتهم ، ومعناه قريب من الأول . الثالث : أنه متعلق بيردونكم و « من » للسببية أي : يكون الرد من تلقائهم وجهتهم وبإغوائهم . قوله « من بعد ما » متعلق ب « ود » و « من » للابتداء أي إن ودادتهم ذلك ابتدأت من حين وضوح الحق وتبينه لهم فكفرهم عناد ، وما مصدرية أي : من بعد تبين الحق ، والحسد : تمنى زوال نعمة الإنسان ، والمصدر حسد وحسادة ، والصفح قريب من العفو مأخوذ من الإعراض بصفحة العنق ، وقيل : معناه التجاوز من تصفحت الكتاب أي : جاوزت ورقه ، والصفوح من أسماء اللّه ، والصفوح أيضا : المرأة تستر وجهها إعراضا قال : 681 - صفوح فما تلقاك إلّا بحيلة * فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت « 1 » قوله : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ كقوله : « ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ » « 2 » فيجوز في « ما » أن تكون مفعولا بها وأن تكون واقعة موقع المصدر ، ويجوز في من خير الأربعة الأوجه التي في « من آية » من كونه مفعولا به أو حالا أو تمييزا أو متعلقا بمحذوف و « من » تبعيضية وقد تقدم تحقيقها فليراجع ثمة ، و « لأنفسكم » متعلق بتقدموا أي : لحياة أنفسكم فحذف و « تجدوه » جواب الشرط وهي المتعدية لواحد ، لأنها بمعنى الإصابة ، ومصدرها الوجدان بكسر الواو كما تقدم ، ولا بد من حذف مضاف أي : تجدوا ثوابه ، وقد جعل الزمخشري الهاء عائدة على « ما » وهو يريد ذلك لأن الخير المتقدم سبب منقض لا يوجد إنما يوجد ثوابه . قوله : « عند اللّه » يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق ب « تجدوه » . والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول أي : تجدوا ثوابه مدخرا معدا عند اللّه ، والظرفية هنا مجاز نحو : « لك عند فلان يد » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 111 ] وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 111 ) قوله تعالى : إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً : من فاعل بقوله « يدخل » وهو استثناء مفرغ ، فإن ما قبل « إلا » مفتقر لما بعدها ، والتقدير : لن يدخل الجنة أحد ، وعلى مذهب الفراء يجوز في « من » وجهان آخران وهما النصب على الاستثناء ، والرفع على البدل من « أحد » المحذوف فإن الفراء يراعي المحذوف ، وهو لو صرح به لجاز في المستثنى الوجهان المذكوران ، فكذلك مع تقديره عنده ، وقد تقدم تحقيق المذهبين . والجملة من قوله : « لن يدخل الجنة إلا من » في محل نصب بالقول وحمل أولا على لفظ « من » فأفرد الضمير
--> ( 1 ) البيت لكثير انظر ديوانه ( 1 / 43 ) ، وهو من شواهد البحر ( 1 / 337 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 106 ) .