أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
343
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
في قوله : « كان » وعلى معناها ثانيا يكون الخبر غير فعل ، بل وصفا يفصل بين مذكره ومؤنثه تاء التأنيث ، فمذهب جمهور البصريين والكوفيين جوازه ، ومذهب غيرهم منعه منهم أبو العباس وهم محجوجون بسماعه من العرب كهذه الآية ، فإن هودا جمع هائد على أظهر القولين نحو : بازل وبزل وعائد وعود وحائل وحول وبائر وبور و « هائد » من الأوصاف الفارق بين مذكرها ومؤنثها تاء التأنيث ، وقال الشاعر : 682 - وأيقظ من كان منكم نياما * . . . « 1 » و « نيام » جمع نائم ، وهو كالأول وفي « هود » ثلاثة أقوال : أحدها : أنه جمع هائد كما تقدم . والثاني : أنه مصدر على فعل نحو حزن وشرب يوصف به الواحد وغيره نحو : عدل وصوم . والثالث : - وهو قول الفراء - أن أصله « يهود » فحذفت الياء من أوله ، وهذا بعيد جدا . و « أو » هنا للتفصيل والتنويع ، لأنه لما لف الضمير في قوله : « وقالوا » فصّل القائلين ، وذلك لفهم المعنى وأمن الإلباس ، والتقدير : وقال اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقال النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، لأن من المعلوم أن اليهود لا تقول : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ، وكذلك النصارى ونظيره : قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى « 2 » إذ معلوم أن اليهود لا تقول : كونوا نصارى ، ولا النصارى تقول : كونوا هودا : وصدرت الجملة بالنفي ب « لن » لأنها تخلص للاستقبال ودخول الجنة مستقبل . وقدمت اليهود على النصارى لفظا لتقديمهم زمانا . قوله : تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ « تلك » مبتدأ و « أمانيهم » خبره ، ولا محل لهذه الجملة لكونها اعتراضا بين قوله : « وقالوا » وبين : « قل هاتوا برهانكم » فهي اعتراض بين الدعوى ودليلها . والمشار إليه ب « تلك » فيه ثلاثة احتمالات : أحدها : أنه المقالة المفهومة من : « قالوا لن يدخل » أي : تلك المقالة أمانيهم ، فإن قيل : فكيف أفرد المبتدأ وجمع الخبر ؟ فالجواب أن تلك كناية عن المقالة ، والمقالة في الأصل مصدر ، والمصدر يقع بلفظ الإفراد للمفرد والمثنى والمجموع فالمراد ب « تلك » الجمع من حيث المعنى . والثاني : - قاله الزمخشري - وهو أن يشار بها إلى الأماني المذكورة ، وهي أمنيتهم ألا ينزّل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا ، وأمنيتهم ألا يدخل الجنة غيرهم . قال الشيخ « 3 » : « وهذا ليس بظاهر ، لأن كل جملة ذكر فيها ودهم لشيء قد كملت وانفصلت واستقلت بالنزول ، فيبعد أن يشار إليها » . والثالث - وإليه ذهب الزمخشري أيضا - أن يكون على حذف مضاف أي : أمثال تلك الأمنية أمانيهم ، يريد أن
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 350 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 135 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 350 ) .