أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
339
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وهذا غير مرض لما مر أن المراد به التقرير فهو كقوله : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ « 1 » أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ « 2 » والاستفهام بمعنى التقرير كثير جدا ، لا سيما إذا دخل على نفي كما مثلته لك . وفي قوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ التفاتان : أحدهما : خروج من خطاب جماعة وهو « خير من ربكم » . والثاني : خروج من ضمير المتكلم المعظم نفسه إلى الغيبة بالاسم الظاهر ، فلم يقل ألم تعلموا أننا ، وذلك لما لا يخفى من التعظيم والتفخيم و « أن اللّه على كل شيء قدير » : أن وما في حيزها : إما سادة مسد مفعولين ، كما هو مذهب الجمهور ، أو واحد والثاني محذوف كما هو مذهب الأخفش حسب ما تقدم من الخلاف . قوله تعالى : لَهُ مُلْكُ : يجوز في « ملك » وجهان : أحدهما : أنه مبتدأ ، وخبره مقدم عليه ، والجملة في محل رفع خبر ل « أن » . والثاني : أنه مرفوع بالفاعلية ، رفعه الجار قبله عند الأخفش ، لا يقال : إن الجار هنا قد اعتمد لوقوعه خبرا ل « أن » فيرفع الفاعل عند الجميع لأن الفائدة لم تتم به ، فلا يجعل خبرا ، والملك بالضم الشيء المملوك ، وكذلك هو بالكسر ، إلا أن المضموم لا يستعمل إلا في مواضع السعة وبسط السلطان . قوله : وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يجوز في « ما » وجهان : أحدهما : كونها تميمية فلا عمل لها فيكون « لكم » خبرا مقدما و « من ولي » مبتدأ مؤخر ، زيدت فيه « من » فلا تعلق لها بشيء . والثاني : أن تكون حجازية ، وذلك عند من يجيز تقديم خبرها ظرفا أو حرف جر ، فيكون « لكم » في محل نصب خبرها مقدما و « من ولي » اسمها مؤخرا و « من » فيه زائدة أيضا و « من دون اللّه » فيه وجهان : أحدهما أنه متعلق بما تعلق به « لكم » من الاستقرار المقدر و « من » لابتداء الغاية . والثاني : أنه في محل نصب على الحال من قوله : « من ولي أو نصير » لأنه في الأصل صفة للنكرة ، فلما قدم عليها انتصب حالا ، قاله أبو البقاء ، فعلى هذا يتعلق بمحذوف غير الذي تعلق به « لكم » « ولا نصير » عطف على لفظ ولي ، ولو قرئ برفعه على الموضع لكان جائزا ، وأتى بصيغة فعيل في ولي و « نصير » لأنها أبلغ من فاعل ، ولأن « وليا » أكثر استعمالا من « وال » ولهذا لم يجئ في القرآن إلا في سورة « 3 » الرعد ، وأيضا لتواخي الفواصل وأواخر الآي ، وفي قوله « لكم » انتقال من خطاب الواحد لخطاب الجماعة ، وفيه مناسبة وهو أن المنفي صار نصا في العموم بزيادة « من » فناسب كون المنفي عنه كذلك فجمع لذلك . قوله تعالى : أَمْ تُرِيدُونَ : قد تقدم أن « أم » هذه يجوز أن تكون متصلة معادلة لقوله : « ألم تعلم » وأن تكون منقطعة وهو الظاهر ، فتقدر ببل والهمزة ، ويكون إضراب انتقال من قصة إلى قصة ، قال أبو البقاء : أم هنا
--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية ( 36 ) . ( 2 ) سورة الشرح ، آية ( 1 ) . ( 3 ) سورة الرعد ، آية ( 11 ) .