أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

340

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

منقطعة إذ ليس في الكلام همزة تقع موقعها ومع أم : أيها والهمزة من قوله : ألم تعلم ليست من أم في شيء ، والمعنى : بل أتريدون فخرج من كلام إلى كلام ، وأصل تريدون : ترودون لأنه من راد يرود ، وقد تقدم فنقلت حركة الواو على الراء فسكنت الواو بعد كسرة فقلبت ياء ، وقيل « أم » للاستفهام ، وهذه الجملة منقطعة عما قبلها ، وقيل : هي بمعنى بل وحدها وهذان قولان ضعيفان . قوله : أَنْ تَسْئَلُوا ناصب ومنصوب في محل نصب مفعولا به بقوله : تريدون أي : أتريدون سؤال رسولكم . قوله : كَما سُئِلَ متعلق بتسألوا ، والكاف في محل نصب ، وفيها التقديران المشهوران ، فتقدير سيبويه أنها حال من ضمير المصدر المحذوف أي : أن تسألوه أي : السؤال حال كونه مشبها بسؤال قوم موسى له ، وتقدير غيره - وهم جمهور النحويين - أنه نعت لمصدر محذوف أي : أن تسألوا رسولكم سؤالا مشبها كذا و « ما » مصدرية أي : كسؤال موسى ، وأجاز الحوفي « 1 » كونها بمعنى الذي ، فلا بد من تقدير عائد أي كالسؤال الذي سئله موسى ، و مُوسى مفعول لم يسم فاعله ، حذف الفاعل للعلم به ، أي كما سأل قوم موسى . والمشهور : « سئل » بضم السين وكسر الهمزة ، وقرأ الحسن : « سيل » بكسر السين وياء بعدها من : سال يسأل نحو خفت أخاف ، وهل هذه الألف في سأل أصلها الهمزة أولا ؟ تقدم خلاف في ذلك وسيأتي تحقيقه في « سأل » « 2 » وقرئ بتسهيل الهمزة بين بين . و مِنْ قَبْلُ متعلق بسئل و « قبل » مبنية على الضم ، لأن المضاف إليه معرفة أي : من قبل سؤالكم وهذا توكيد ، وإلا فمعلوم أن سؤال موسى كان متقدما على سؤالهم . قوله : « بالإيمان » فيه وجهان : أحدهما : أنها باء العوضية وقد تقدم تحقيق ذلك . والثاني : أنها للسببية قال أبو البقاء « يجوز أن يكون مفعولا بيتبدل ، وتكون الباء للسبب كقولك : اشتريت الثوب بدرهم وفي مثالك هذا نظر . « فقد ضل سواء السبيل » ، قرئ بإدغام الدال في الضاد . وأظهارها و « سواء » قال أبو البقاء : سواء السبيل ظرف بمعنى وسط السبيل وأعدله ، وهذا صحيح فإن « سواء » جاء بمعنى وسط ، قال تعالى : « فِي سَواءِ الْجَحِيمِ » « 3 » وقال عيسى بن عمر : « ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي » وقال حسان : 678 - يا ويح أصحاب النّبيّ ورهطه * بعد المغيّب في سواء الملحد « 4 »

--> ( 1 ) علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحوفي المعرب صاحب البرهان في تفسير القرآن ، والموضح في النحو وغير ذلك توفي في مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة . البغية ( 2 / 140 ) . ( 2 ) سورة المعارج ، آية ( 1 ) . ( 3 ) سورة الصافات ، آية ( 55 ) . ( 4 ) البيت في ديوانه ( 66 ) ، وانظر مجاز القرآن ( 1 / 50 ) ، اللسان « سواء » .