أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
334
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ هذه جملة ابتدائية تضمنت ردودادتهم ذلك . و « يختص » يحتمل أن يكون هنا متعديا ، وأن يكون لازما ، فإن كان متعديا كان فيه ضمير يعود على اللّه - تعالى - تكون « من » - مفعولا به أي يختص اللّه الذي يشاؤه برحمته ، ويكون معنى افتعل هنا معنى المجرد نحو : كسب مالا واكتسبه ، وإن كان لازما لم يكن فيه ضمير ويكون فاعله « من » أي : واللّه يختص برحمته الشخص الذي يشاؤه ، ويكون افتعل بمعنى فعل الفاعل بنفسه نحو اضطراب والاختصاص ضد الاشتراك ، وبهذا تبين فساد قول من زعم أنه هنا متعد ليس إلا . و « من » يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة ، وعلى كلا التقديرين فلا بد من تقدير عائد أي : يشاء اختصاصه ، ويجوز أن يضمن « يشاء » معنى يختار فحينئذ لا حاجة إلى حذف مضاف ، بل تقدره ضميرا فقط أي : يشاؤه و « يشاء » على القول الأول لا محل له لكونه صلة ، وعلى الثاني محله النصب أو الرفع على ما ذكر في موصوفه من كونه فاعلا أو مفعولا . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 106 ] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) قوله تعالى : ما نَنْسَخْ في « ما » قولان : أحدهما : - وهو الظاهر - أنها مفعول مقدم للنسخ وهي شرطية جازمة له ، والتقدير : أي شيء ننسخ ، مثل قوله أَيًّا ما تَدْعُوا « 1 » . والثاني : أنها شرطية أيضا جازمة للنسخ ، ولكنها واقعة موقع المصدر و « من آية » هو المفعول به والتقدير : أي نسخ ننسخ آية قاله أبو البقاء وغيره ، وقالوا : مجيء « ما » مصدرا جائز وأنشدوا : 675 - نعب الغراب فقلت : بين عاجل * ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب « 2 » وقد رد هذا القول بعضهم « 3 » بشيئين : أحدهما : أنه يلزم خلو جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط وهو غير جائز ، وقد تقدم تحقيق الكلام في ذلك عند قوله : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ « 4 » . والثاني : أن « من » لا تزاد في الموجب والشرط موجب ، وهذا فيه خلاف لبعض البصريين : أجاز زيادتها في الشرط ، لأنه يشبه النفي ولكنه خلاف ضعيف . وقرأ ابن عامر : « ننسخ » بضم النون وكسر السين من أنسخ قال أبو حاتم : « هو غلط » وهذه جراءة منه على عادته ، وقال أبو علي : ليست لغة لأنه لا يقال : نسخ وأنسخ بمعنى ولا هي للتعدية ، لأن المعنى يجيء : ما نكتب من آية وما ننزل من آية ، فيجيء القرآن كله على هذا منسوخا ، وليس الأمر كذلك فلم يبق إلا أن يكون المعنى : ما نجده منسوخا كما يقال : أحمدته وأبخلته أي : وجدته كذلك ثم قال : « وليس نجده منسوخا إلا بأن ينسخه فتتفق القراءتان
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، آية ( 110 ) . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 343 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 343 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 97 ) .