أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
335
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
في المعنى ، وإن اختلفا في اللفظ » فالهمزة عنده ليست للتعدية ، وجعل الزمخشري وابن عطية الهمزة للتعدية ، إلا أنهما اختلفا في تقدير المفعول الأول المحذوف ، وفي معنى الإنساخ فجعل الزمخشري المفعول المحذوف جبريل - عليه السّلام - والإنساخ هو الأمر بنسخها أي : الإعلام به ، وجعل ابن عطية المفعول ضمير النبي - عليه السّلام - والإنساخ إباحة النسخ لنبيه كأنه لما نسخها أباح له تركها فسمى تلك الإباحة إنساخا . وخرج ابن عطية القراءة على كون الهمزة للتعدية من وجه آخر ، وهو من نسخ الكتاب وهو نقله من غير إزالة له ، قال « ويكون المعنى : ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ أو ما نؤخر فيه ونتركه فلا ننزله ، أي ذلك فعلنا فإنما نأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله ، فيجيء الضميران في « منها » و « بمثلها » عائدين على الضمير في « ننسأها » . قال الشيخ « 1 » : « وذهل عن القاعدة وهي أنه لا بد من ضمير يعود من الجزاء على اسم الشرط و « ما » في قوله : « ما ننسخ » شرطية وقوله : « أو ننسأها » عائد على الآية ، وإن كان المعنى ليس عائدا عليها من حيث اللفظ والمعنى بل إنما يعود عليها من حيث اللفظ فقط نحو : عندي درهم ونصفه فهو في الحقيقة على إضمار « ما » الشرطية ، التقدير : أو ما ننسأ من آية ضرورة أن المنسوخ غير المنسوء ، ولكن يبقى قوله : ما ننسخ من آية مفلتا من الجواب إذ لا رابط يعود منه إليه ، « فبطل هذا المعنى الذي قاله » . قوله : مِنْ آيَةٍ « من » للتبعيض فهي متعلقة بمحذوف ، لأنها صفة لاسم الشرط ، ويضعف جعلها حالا ، والمعنى : أي شيء ننسخ من الآيات ف « آية » مفرد وقع موقع الجمع ، وكذلك تخريج كل ما جاء من هذا التركيب : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ « 2 » وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ « 3 » وهذا المجرور هو المخصص والمبين لاسم الشرط ، وذلك أن فيه إبهاما من جهة عمومه ، ألا ترى أنك لو قلت : « من يكرم أكرم » تناول النساء والرجال فإذا قلت : « من الرجال » بينت وخصصت ما تناوله اسم الشرط . وأجاز أبو البقاء فيها وجهين آخرين : أحدهما : أنها في موضع نصب على التمييز والمميز « ما » والتقدير : أي شيء ننسخ قال : ولا يحسن أن تقدر : أي آية ننسخ ، لأنك لا تجمع بين « آية » وبين المميز بآية ، لا تقول أي آية نسخ من آية ، يعني أنك لو قدرت ذلك لاستغنيت عن التمييز . والثاني : أنها زائدة ، وآية حال ، والمعنى : أي شيء ننسخ قليلا أو كثيرا ، وقد جاءت « آية » حالا في قوله : « هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً » « 4 » أي : « علامة » وهذا فاسد لأن الحال لا تجر ب « من » وقد تقدم أنها مفعول بها و « من » زائدة على القول يجعل « ما » واقعة موقع المصدر ، فهذه أربعة أوجه . قوله : أَوْ نُنْسِها « أو » هنا للتقسيم و « ننسها » مجزوم عطفا على فعل الشرط قبله . وفيها ثلاث عشرة قراءة « 5 » : « ننساها » بفتح حرف المضارعة وسكون النون وفتح السين مع الهمز ، وبها قرأ أبو عمرو وابن كثير .
--> ( 1 ) البحر المحيط ( 432 ) . ( 2 ) سورة فاطر ، آية ( 2 ) . ( 3 ) سورة النحل ، آية ( 53 ) . ( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 73 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 343 ) .