أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

312

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

على التبيين والمعنى : فقد تبين أنه نزله كما قالوا في قوله : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ « 1 » ونحوه . وأما الثاني : فلأنه لا بد في جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط فلا يجوز : من يقم فزيد منطلق ، ولا ضمير في قوله : « فإنه نزله » يعود على « من » فلا يكون جوابا للشرط ، وقد جاءت مواضع كثيرة من ذلك ، ولكنهم أولوها على حذف العائد فمن ذلك قوله : 628 - فمن تكن الحضارة أعجبته * فأيّ رجال بادية تراني « 2 » وقوله : 629 - فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإنّي وقيّار بها لغريب « 3 » وينبغي أن يبنى ذلك على الخلاف في خبر اسم الشرط . فإن قيل : إن الخبر هو الجزاء وحده - أو هو مع الشرط - فلا بد من الضمير ، وإن قيل فإنه فعل الشرط وحده فلا حاجة إلى الضمير ، وقد تقدم قول أبي البقاء وغيره في ذلك عند قوله تعالى : فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ « 4 » وقد صرح الزمخشري بأنه جواب الشرط ، وفيه النظر المذكور وجوابه ما تقدم . و « عدوا » خبر كان ويستوي فيه الواحد وغيره قال : هُمُ الْعَدُوُّ « 5 » والعداوة : التجاوز . قال الراغب : « فبالقلب يقال العداوة وبالمشي يقال : العدو وبالإخلال في العدل . يقال : العدوان ، وبالمكان أو النسب يقال : قوم عدي أي غرباء » و « لجبريل » يجوز أن يكون صفة ل « عدوا » فيتعلق بمحذوف وأن تكون اللام مقوية لتعدية « عدوا » إليه وجبريل اسم ملك وهو أعجمي ، فلذلك لم ينصرف ، وقول من قال : « إنه مشتق من جبروت اللّه » بعيد ؛ لأن الاشتقاق لا يكون في « الأسماء » الأعجمية ، وكذا قول من قال : « إنه مركب تركيب الإضافة وأن « جبر » معناه عبد و « إيل » اسم من أسماء اللّه - تعالى - فهو بمنزلة عبد اللّه » لأنه كان ينبغي أن يجري الأول بوجوه الإعراب وأن ينصرف الثاني ، وكذا قول المهدوي : إنه مركب تركيب مزج نحو : حضر موت ، لأنه كان ينبغي أن يبنى الأول على الفتح ليس إلا . وأما رد الشيخ « 6 » عليه بأنه لو كان مركبا تركيب مزج ، لجاز فيه أن يعرب إعراب المتضايفين ، أو يبنى على الفتح كأحد عشر ، فإن كل ما ركب تركيب المزج يجوز فيه هذه الأوجه ، وكونه لم يسمع فيه البناء ولا جريانه مجرى المتضايفين ، دليل على عدم تركيبه تركيب المزج ، فلا يحسن ردا لأنه جاء على أحد الجائزين ، واتفق أنه لم يستعمل إلا كذلك . وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في الأسماء الأعجمية ، فجاءت فيه بثلاث عشرة لغة . أشهرها وأفصحها : جبريل بزنة قنديل ، وهي قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم . وهي لغة

--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 26 ) . ( 2 ) البيت للقطامي انظر ديوانه ( 58 ) ، المغني ( 2 / 507 ) ، اللسان حضر . ( 3 ) البيت لضابئ البرجمي وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 75 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 68 ) ، الهمع ( 2 / 144 ) ، الدرر ( 2 / 200 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 38 ) . ( 5 ) سورة المنافقون ، آية ( 4 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 317 ) .