أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

293

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

606 - قلت لزير لم تصله مريمه « 1 » وياء « الزير » عن واو لأنه من زار يزور فقلبت للكسرة قبلها كالرّيح ، فصار لفظ مريم مشتركا بين اللسانين ، ووزنه عند النحويين مفعل لا فعيل ، قال الزمخشري : « لأن فعيلا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت في نحو : عثير « 2 » وعليب » « 3 » وقد أثبت بعضهم فعيلا وجعل منه نحو : « ضميد » اسم مكان و « مدين » على القول بأصالة ميمه و « ضهيا » بالقصر وهي المرأة التي لا تحيض ، أو لا ثدي لها ، لأنها مشتقة من ضاهأت أي شابهت ، لأنها شابهت الرجال في ذلك ، ويجوز مدّها قاله الزجاج . وقال ابن جني : « وأما ضميد وعثير فمصنوعان » فلا دلالة فيهما على ثبوت فعيل ، وصحة الياء في مريم على خلاف القياس ، إذ كان من حقّها الإعلال بنقل حركة الياء إلى الراء ثم قلب الياء ألفا نحو : مباع من البيع ، ولكنه شذّ مزيد ومدين ، وقال أبو البقاء : « ومريم علم أعجمي ولو كان مشتقا من رام يريم لكان مريما بسكون الياء ، وقد جاء في الأعلام بفتح الياء نحو مزيد وهو على خلاف القياس » . قوله : وَأَيَّدْناهُ معطوف على قوله : وَآتَيْنا عِيسَى . وقرأ الجمهور أيّدناه على فعّلناه ، وقرأ مجاهد وابن محيصن - ويروى عن أبي عمرو - « آيدناه » على : أفعلناه ، والأصل في أأيد بهمزتين ، ثانيتهما ساكنة فوجب إبدال الثانية ألفا نحو : أأمن وبابه ، وصححت العين وهي الياء كما صحّت في « أغيلت » و « أغيمت » ، وهو تصحيح شاذّ إلا في فعل التعجب نحو : ما أبين وأطول ، وحكي عن أبي زيد أن تصحيح « أغيلت » مقيس . فإن قيل : لم لا أعلّ آيدناه كما أعلّ نحو : أبعناه حتى لا يلزم حمله على الشاذ ؟ فالجواب أنه لو أعلّ بأن ألقيت حركة العين على الفاء فيلتقي ساكنان العين واللام فتحذف العين لالتقاء الساكنين ، فتجتمع همزتان مفتوحتان فيجب قلب الثانية واوا نحو « أوادم » ، فتتحرّك الواو بعد فتحة فتقلب ألفا فيصير اللفظ : أادناه ، لأدّى ذلك إلى إعلال الفاء والعين ، فلمّا كان إعلاله يؤدّي إلى ذلك رفض بخلاف أبعناه وأقمناه ، فإنه ليس فيه إلا إعلال العين فقط . قال أبو البقاء : « فإن قلت : فلم لم تحذف الياء التي هي عين كما حذفت من نحو : أسلناه من سال يسال ؟ قيل : لو فعلوا ذلك لتوالى إعلالان : أحدهما قلب الهمزة الثانية ألفا ثم حذف الألف المبدلة من الياء لسكونها وسكون الألف قبلها ، فكان يصير اللفظ آدناه فكانت تحذف الفاء والعين وليس « أسلناه » كذلك ، لأنّ هناك حذف العين وحدها . وقال الزمخشري في المائدة : « آيدتك على أفعلتك » وقال ابن عطية : « على فاعلتك » ثم قال : « ويظهر أن الأصل في القراءتين : أفعلتك ثم اختلف الإعلال » . انتهى . والذي يظهر أن « أيّد » فعّل لمجيء مضارعه على يؤيّد بالتشديد ، ولو كان أيّد بالتشديد بزنة أفعل لكان مضارعه يؤيد كيؤمن من آمن ، وأمّا آيد - يعني بالمدّ - فيحتاج في نقل مضارعه إلى سماع ، فإن سمع يؤايد كيقاتل فهو فاعل ، فإن سمع يؤيد كيكرم فآيد أفعل ، ذكر ذلك جميعه الشيخ في المائدة « 4 » . ثم قال : « إنه لم يظهر كلام ابن عطية في قوله : « اختلف الإعلال » وهو صحيح ، إلّا أنّ قوله « الذي يظهر أن أيّد في قراءة الجمهور فعّل لا أفعل إلى آخره » فيه

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 149 ) ، الكشاف ( 4 / 516 ) . ( 2 ) العثير والعثيرة : العجاج الساطع ، أو الغبار ، أو التراب اللسان : عثر . ( 3 ) عليب ، وعليب : واد معروف على طريق اليمن ، وقيل : موضع . وليس في كلام العرب فعيل غير هذا قال الزمخشري - فيما حكاه عن العمراني - : أظن أن قوما كانوا في هذا الموضع نزولا فقال بعضهم لأبيه : عل يا أب ، فسمّي به المكان . وقال المرزوقي : كأنه فعيل من القلب وهو الأثر والوادي لا يخلو من انخفاض وحزن - انظر اللسان علب معجم البلدان ( 4 / 166 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 51 ) .