أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

294

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

نظر لأنه يشعر بجواز شيء آخر وذلك متعذّر ، كيف يتوهّم أن أيّد بالتشديد في قراءة الجمهور بزنة أفعل ، هذا ما لا يقع . والأيد : القوّة ، قال عبد المطلب : 607 - الحمد للّه الأعزّ الأكرم * أيّدنا يوم زحوف الأشرم « 1 » والصحيح أن فعّل وأفعل هنا بمعنى واحد وهو قوّيناه . وقد فرّق بعضهم بينهما فقال : « أمّا المدّ فمعناه القوة ، وأمّا القصر فمعناه التأييد والنّصر » ، وهذا في الحقيقة ليس بفرق ، وقد أبدلت العرب في آيد على أفعل الياء جيما فقالت : آجده أي قوّاه ، قال الزمخشري : يقال : « الحمد للّه الذي آجدني بعد ضعف وأوجدني بعد فقر » ، وهذا كما أبدلوا من يائه جيما فقالوا : لا أفعل ذلك جد الدهر أي : يد الدهر ، وهو إبدال لا يطّرد . قوله : « بروح القدس » متعلّق بأيّدناه . وقرأ ابن كثير : « القدس » بإسكان الدال ، والباقون بضمّها ، وهما لغتان : الضمّ للحجاز ، والإسكان لتميم ، وقد تقدّم ذلك ، وقرأ أبو حيوة : « القدوس » بواو ، وفيه لغة فتح القاف والدال ومعناه الطهارة أو البركة كما تقدّم عند قوله : وَنُقَدِّسُ لَكَ « 2 » . والروح في الأصل : اسم للجزء الذي تحصل به الحياة في الحيوان قاله الراغب ، والمراد به جبريل عليه السّلام لقول حسّان : 608 - وجبريل رسول اللّه فينا * وروح القدس ليس له كفاء « 3 » سمّي بذلك لأنّ بسببه حياة القلوب . قوله : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ الهمزة هنا للتوضيح والتقريع ، والفاء للعطف عطفت هذه الجملة على ما قبلها ، واعتني بحرف الاستفهام فقدّم ، وقد مرّ تحقيق ذلك ، وأنّ الزمخشري يقدّر بين الهمزة وحرف العطف جملة ليعطف عليها . وهذه الجملة يجوز أن تكون معطوفة على ما قبلها من غير حذف شيء ، كأنه قال : ولقد آتينا يا بني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم فكلما جاءكم رسول . ويجوز أن يقدّر قبلها محذوف أي : ففعلتم ما فعلتم فكلما جاءكم رسول . وقد تقدّم الكلام في « كلما » عند قوله : كُلَّما أَضاءَ « 4 » . والناصب لها هنا اسْتَكْبَرْتُمْ ، و « رسول » فعول بمعنى مفعول أي مرسل ، وكون فعول بمعنى المفعول قليل ، جاء منه الرّكوب والحلوب أي : المركوب والمحلوب ، ويكون مصدرا بمعنى الرسالة قاله الزمخشري . وأنشد : 609 - لقد كذب الواشون ما فهت عندهم * بسرّ ولا أرسلتهم برسول « 5 » أي : برسالة ، ومنه عنده : « إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ » « 6 » . قوله : بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ متعلّق بقوله « جاءكم » ، و « جاء » يتعدى بنفسه تارة كهذه الآية ، وبحرف الجرّ أخرى نحو : جئت إليه ، و « ما » موصولة بمعنى الذي ، والعائد محذوف لاستكمال الشروط ، والتقدير : بما لا تهواه ، و « تهوى » مضارع هوي بكسر العين ولامه من ياء لأنّ عينه واو ، وباب طويت وشويت أكثر من باب قوّة وحوّة . ولا دليل في « هوي » لانكسار العين وهو مثل « شقي » من الشّقاوة ، وقولهم في تثنية مصدره هويان أدلّ دليل على

--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 4 / 51 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 30 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 60 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 20 ) . ( 5 ) البيت لكثير انظر ديوانه ( 2 / 249 ) ، الكشاف ( 4 / 497 ) . ( 6 ) سورة الشعراء ، آية ( 116 ) .