أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

292

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الحمل على الفعل في باب الاشتغال . وليس المرجّح كونه تقدّمه لا النافية ، فإنّها ليست من الأدوات المختصّة بالفعل ولا الأولى به ، خلافا لابن السّيد حيث زعم أنّ « لا » النافية من المرجّحات لإضمار الفعل ، وهو قول مرغوب عنه ، ولكنه قوي من حيث البحث . فقوله : « يُنْصَرُونَ » لا محلّ له على هذا لأنه مفسّر ، ومحلّه الرفع على الأول لوقوعه موقع الخبر . قوله تعالى : وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ . . التضعيف في « قفّينا » ليس للتعدية ، إذ لو كان كذلك لتعدّى إلى اثنين لأنه قبل التضعيف يتعدّى لواحد ، نحو : قفوت زيدا ، ولكنه ضمّن معنى « جئنا » كأنه قيل : وجئنا من بعده بالرسل . فإن قيل : يجوز أن يكون متعدّيا لاثنين على معنى أنّ الأول محذوف والثاني « بالرسل » والباء فيه زائدة تقديره : « وقفيناه من بعده الرسل » . فالجواب أن كثرة مجيئه في القرآن كذلك يبعد هذا التقدير ، وسيأتي لذلك مزيد بيان في المائدة إن شاء اللّه تعالى . وقفّينا أصله : قفّونا ، ولكن لمّا وقعت الواو رابعة قلبت ياء ، واشتقاقه من قفوته إذا اتّبعت قفاه ، ثم اتّسع فيه ، فأطلق على كلّ تابع ، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع ، وقال أمية : 605 - قالت لأخت له قصّيه عن جنب * وكيف تقفو ولا سهل ولا جبل « 1 » والقفا مؤخّر العنق ، ويقال له : القافية أيضا ، ومنه قافية الشّعر ، لأنها تتلو بناء الكلام وآخره ، ومعنى قفّينا أي : أتبعنا كقوله : « ثم أرسلنا رسلنا تترى » . و مِنْ بَعْدِهِ متعلّق به ، وكذلك بِالرُّسُلِ ، وهو جمع رسول بمعنى مرسل ، وفعل غير مقيس في فعول بمعنى مفعول ، وسكون العين لغة الحجاز وبها قرأ يحيى والحسن ، والضمّ لغة تميم ، وقد قرأ السبعة بلغة تميم إلا أبا عمرو فيما أضيف إلى « نا » أو « كم » أو « هم » فإنه قرأ بالسكون لتوالي الحركات . قوله : عِيسَى علم أعجمي فلذلك لم ينصرف ، وقد تكلّم النحويون في وزنه واشتقاقه على تقدير كونه عربيّ الوضع ، فقال سيبويه : « وزنه فعلى والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة كياء معزى » يعني بالياء الألف ، سمّاها ياء لكتابتها بالياء . وقال الفارسي : « ألفه ليست للتأنيث كذكرى ، بدلالة صرفهم له في النكرة » . وقال عثمان بن سعيد الصّيرفي : « وزنه فعلل » فالألف عنده أصلية بمعنى أنها منقلبة عن أصل . وردّ ذلك عليه ابن الباذش بأنّ الياء والواو لا يكونان أصلين في بنات الأربعة ، فمن قال إنّ « عيسى » مشتقّ من العيس وهو بياض تخالطه شقرة كأبي البقاء وغيره ليس بمصيب لأنّ الأعجميّ لا يدخله اشتقاق ولا تصريف . وقال الزمخشري : « وقيل : عيسى بالسّريانية : أيسوع » . قوله : ابْنَ مَرْيَمَ عطف بيان أو بدل ، ويجوز أن يكون صفة إلا أنّ الأول أولى لأنّ « ابن مريم » جرى مجرى العلم له . وللوصف بابن أحكام تخصّه ستأتي مبينة إن شاء اللّه تعالى ، وتقدّم اشتقاق « ابن » وأصله . ومريم أصله بالسريانية صفة بمعنى الخادم ثم سمّي به فلذلك لم ينصرف ، وفي لسان العرب هي المرأة التي تكثر مخالطة الرجال كالزّير من الرجال وهو الذي يكثر مخالطتهنّ ، قال رؤبة :

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 26 ) ، وهو من شواهد البحر ( 1 / 297 ) .