أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

291

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 86 إلى 87 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ( 87 ) وتقدّم نظائر أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا . . وما بعده . إلا أنّ بعض المعربين ذكر وجوها مردودة لا بدّ من التنبيه عليها ، فأجاز أن يكون أُولئِكَ مبتدأ ، و الَّذِينَ اشْتَرَوُا خبره ، و فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ خبرا ثانيا لأولئك ، قال : « ودخلت الفاء في الخبر لأجل الموصول المشبه للشرط وهذا خطأ » ، فإن قوله : « فلا يخفّف » لم يجعله خبرا للموصول حتى تدخل الفاء في خبره ، وإنما جعله خبرا عن « أولئك » وأين هذا من ذاك ؟ وأجاز أيضا أن يكون « الذين » مبتدأ ثانيا ، و « فلا يخفّف » خبره ، دخلت لكونه خبرا للموصول ، والجملة خبرا عن « أولئك » قال : « ولم يحتج هنا إلى عائد لأنّ « الذين » هم « أولئك » كما تقول : « هذا زيد منطلق » ، وهذا أيضا خطأ لثلاثة أوجه أحدها : خلوّ الجملة من رابط ، ( 2 ) قوله : « لأن الذين هم أولئك » لا يفيد لأنّ الجملة المستغنية لا بدّ وأن تكون نفس المبتدأ ، وأمّا تنظيره ب « هذا زيد منطلق » فليس بصحيح ، فإنّ « هذا » مبتدأ ، و « زيد » خبر ، و « منطلق » خبر ثان ، ولا يجوز أن يكون « زيد » مبتدأ ثانيا ، و « منطلق » خبره والجملة خبر عن الأول للخلوّ من الرابط . الثاني : أن الموصول هنا لقوم معيّنين وليس عاما ، فلم يشبه الشرط فلا تدخل الفاء في خبره . الثالث : أن صلته ماضية لفظا ومعنى ، فلم تشبه فعل الشرط في الاستقبال فلا يجوز دخول الفاء في الخبر . فتعيّن أن يكون « أولئك » مبتدأ والموصول بصلته خبره ، و « فلا يخفّف » معطوف على الصلة ، ولا يضرّ تخالف الفعلين في الزمان ، فإنّ الصلات من قبيل الجمل ، وعطف الجمل لا يشترط فيه اتحاد الزمان ، يجوز أن تقول : « جاء الذي قتل زيدا أمس وسيقتل عمرا غدا » ، وإنما الذي يشترط فيه ذلك حيث كانت الأفعال منزّلة منزلة المفردات . قوله : « وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ » يجوز في « عَنْهُمُ » وجهان : أحدهما : أن يكون في محلّ رفع بالابتداء وما بعده خبره ، ويكون قد عطف جملة اسمية على جملة فعلية وهي : « فلا يخفّف » . والثاني : أن يكون مرفوعا بفعل محذوف يفسّره هذا الظاهر ، وتكون المسألة من باب الاشتغال ، فلمّا حذف الفعل انفصل الضمير ، ويكون كقوله : 604 - وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها * فليس إلى حسن الثّناء سبيل « 1 » وله مرجّح على الأول وذلك أنّه يكون قد عطفت جملة فعلية على مثلها ، وهو من المواضع المرجّح فيها

--> ( 1 ) البيت للسمؤل انظر الحماسة ( 1 / 80 ) ، الهمع ( 1 / 63 ) ، الدرر ( 2 / 75 ) .