أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
290
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فأجاز الفراء نصبه أيضا . والثاني أن تكون استفهامية في محلّ رفع بالابتداء ، و « جزاء » خبره ، و « إلّا خزي » بدل من « جزاء » ، نقله أبو البقاء و « من » موصولة أو نكرة موصوفة ، و « يفعل » لا محلّ لها على الأول ، ومحلّها الجرّ على الثاني . قوله « منكم » في محلّ نصب على الحال من فاعل « يفعل » فتعلّق بمحذوف أي : يفعل ذلك حال كونه منكم . قوله : « في الحياة » يجوز فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون في محلّ رفع لأنه صفة ل « خزي » ، فيتعلّق بمحذوف ، أي : خزي كائن في الحياة ، والثاني : أن يكون محلّه النصب على أنه ظرف للخزي فهو منصوب به تقديرا . والجزاء : المقابلة ، خيرا كان أو شرا ، والخزي : الهوان ، يقال : خزي بالكسر يخزى خزيا فهو خزيان ، وامرأة خزيا والجمع خزايا ، وقال ابن السكيت : « الخزي الوقوع في بليّة ، وخزي الرجل في نفسه يخزى خزاية إذا استحيا » . والدّنيا فعلى تأنيث الأدنى من الدنوّ ، وهو القرب ، وألفها للتأنيثه ، ولا تحذف منها أل إلا ضرورة كقوله : 602 - يوم ترى النفوس ما أعدّت * في سعي دنيا طالما قد مدّت « 1 » وياؤها عن واو ، وهذه قاعدة مطّردة ، وهي كلّ فعلى صفة لامها واو تبدل ياء نحو : العليا والدّنيا ، فأمّا قولهم : القصوى عند غير تميم ، والحلوى عند الجميع فشاذ ، فلو كانت فعلى اسما صحّت الواو كقوله : 603 - أدارا بحزوى هجت للعين عبرة * فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق « 2 » وقد استعملت استعمال الأسماء ، فلم يذكر موصوفها ، قال تعالى : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا « 3 » ، وقال ابن السراج في « المقصور والممدود » : « والدّنيا مؤنثة مقصورة ، تكتب بالألف ، هذه لغة نجد وتميم ، إلا أنّ الحجاز وبني أسد يلحقونها ونظائرها بالمصادر ذوات الواو فيقولون : دنوى مثل شروى ، وكذلك يفعلون بكل فعلى موضع لامها واو يفتحون أوّلها ويقلبون ياءها واوا ، وأمّا أهل اللغة الأولى فيضمّون الدال ويقلبون الواء ياء لاستثقالهم الواو مع الضمة . وقرئ : « يردّون » بالغيبة على المشهور . وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون التفاتا فيكون راجعا إلى قوله : « أفتؤمنون » فخرج من ضمير الخطاب إلى الغيبة . والثاني : أنّه لا التفات فيه ، بل هو راجع إلى قوله : « من يفعل » ، وقرأ الحسن « تردّون » بالخطاب ، وفيه الوجهان المتقدّمان ، فالالتفات نظرا لقوله : « من يفعل » ، وعدم الالتفات نظرا لقوله : « أفتؤمنون » . وكذلك وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تعلمون قرئ في المشهور بالغيبة والخطاب ، والكلام فيهما كما تقدّم .
--> ( 1 ) تقدم وهو للعجاج . ( 2 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 456 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 1 / ) ، الخزانة ( 1 / 311 ) ، الأشموني ( 3 / 139 ) ، العيني ( 4 / 236 ) ، أوضح المسالك ( 3 / 330 ) . ( 3 ) سورة الأنفال ، آية ( 67 ) .