أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

284

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوما آخرين ، ألا ترى أنّ التقدير الذي قدّره الزمخشري من تقدير تغيّر الصفة منزلة تغيّر الذات لا يتأتّى في نحو : ها أنا ذا قائما ، ولا في نحو : ها أنتم هؤلاء ، بل المخاطب هو المشار إليه من غير تغيّر » ولم يتضح لي صحة الإيراد عليه وما أبعده عنه . الثاني : أن « أنتم » أيضا مبتدأ ، و « هؤلاء » خبره ، ولكن بتأويل حذف مضاف تقديره : ثم أنتم مثل هؤلاء ، و « تقتلون » حال أيضا ، العامل فيها معنى التشبيه ، إلا أنّه يلزم منه الإشارة إلى غائبين ، لأن المراد بهم أسلافهم على هذا ، وقد يقال : إنه نزّل الغائب منزلة الحاضر . الثالث : ونقله ابن عطية عن شيخه ابن الباذش « 1 » أن « أنتم » خبر مقدم ، و « هؤلاء » مبتدأ مؤخر ، وهذا فاسد ؛ لأن المبتدأ والخبر متى استويا تعريفا وتنكيرا لم يجز تقدّم الخبر ، وإن ورد منه ما يوهم فمتأوّل . الرابع : أنّ « أنتم » مبتدأ ، و « هؤلاء » منادى حذف منه حرف النداء ، و « تقتلون » خبر المبتدأ ، وفصل بالنداء بين المبتدأ وخبره . وهذا لا يجيزه جمهور البصريين ، وإنما قال به الفراء وجماعة وأنشدوا : 588 - إنّ الأولى وصفوا قومي لهم فبهم * هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا « 2 » أي : يا هذا ، وهذا لا يجوز عند البصريين ، ولذلك لحّن المتنبي في قوله : 589 - هذي برزت فهجت رسيسا * ثم انصرفت وما شفيت نسيسا « 3 » وفي البيت كلام طويل . الخامس : أنّ « هؤلاء » موصول بمعنى الذي . و « تقتلون » صلته ، وهو خبر عن « أنتم » أي : أنتم الذين تقتلون . وهذا أيضا ليس رأي البصريين ، وإنما قال به الكوفيون ، وأنشدوا : 590 - عدس ما لعبّاد عليك إمارة * أمنت وهذا تحملين طليق « 4 » أي : والذي تحملين ، ومثله : « وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ » « 5 » أي : وما التي ؟ . السادس : أنّ « هؤلاء » منصوب على الاختصاص ، بإضمار « أعني » و « أنتم » مبتدأ ، وتقتلون خبره ، اعترض بينهما بجملة الاختصاص ، وإليه ذهب ابن كيسان . وهذا لا يجوز ؛ لأنّ النحويين قد نصّوا على أنّ الاختصاص لا يكون بالنكرات ولا أسماء الإشارة ، والمستقرأ من لسان العرب أنّ المنصوب على الاختصاص : إمّا « أيّ » نحو : « اللهم اغفر لنا أيّتها العصابة » ، أو معرّف بأل [ نحو ] : نحن العرب أقرى الناس للضيف ، أو بالإضافة نحو : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » « 6 » وقد يجيء علما كقوله :

--> ( 1 ) أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري الغرناطي أبو جعفر المعروف بابن الباذش النحوي إمام من أئمة النحو توفي في جمادي الآخرة سنة أربعين وخمسمائة . البغية ( 1 / 338 ) . ( 2 ) البيت لرجل من طيء وهو من شواهد البحر ( 1 / 290 ) ، الأشموني ( 3 / 136 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 1 / 327 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 16 ) ، المقرب ( 1 / 177 ) ، الأشموني ( 3 / 137 ) . ( 4 ) البيت ليزيد بن مفرغ انظر ديوانه ( 115 ) ، الإنصاف ( 717 ) ، المحتسب ( 2 / 94 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 170 ) ، الخزانة ( 2 / 514 ) ، اللسان « عدس » . ( 5 ) سورة طه ، آية ( 17 ) . ( 6 ) أخرجه البخاري في النفقات ( 9 / 502 ) ، وأحمد في المسند ( 1 / 4 ) .