أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
285
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
591 - بنا تميما يكشف الضباب « 1 » وأكثر ما يجيء بعد ضمير متكلّم كما تقدّم ، وقد يجيء بعد ضمير مخاطب ، كقولهم « بك اللّه نرجو الفضل » ، وهذا تحرير القول في هذه الآية الكريمة . السابع : أن يكون « أنتم هؤلاء » على ما تقدّم من كونهما مبتدأ وخبرا ، والجملة من « تقتلون » مستأنفة مبيّنة للجملة قبلها ، يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى ، وبيان حماقتكم أنكم تقتلون أنفسكم تخرجون فريقا منكم من ديارهم ، وهذا ذكره الزمخشري في سورة آل عمران في قوله : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ « 2 » ولم يذكره هنا ، وسيأتي بنصّه هناك إن شاء اللّه تعالى . قوله : تَظاهَرُونَ هذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل « تخرجون » وفيها خمس قراءات « 3 » : « تظّاهرون » بتشديد الظاء ، والأصل : تتظاهرون فأدغم لقرب التاء من الظاء ، و « تظاهرون » مخفّفا ، والأصل كما تقدّم ، إلا أنّه خفّفه بالحذف . وهل المحذوف الثانية وهو الأولى لحصول الثقل بها ولعدم دلالتها على معنى المضارعة أو الأولى كما زعم هشام ؟ قال الشاعر : 592 - تعاطسون جميعا حول داركم * فكلّكم يا بني حمدان مزكوم « 4 » أراد : تتعاطسون فحذف . و « تظّهّرون » بتشديد الظاء والهاء ، و « تظاهرون » من تظاهر . و « تتظاهرون » على الأصل من غير حذف ولا إدغام ، وكلّهم يرجع إلى معنى المعاونة والتناصر من المظاهرة ، كأنّ كلّ واحد منهم يسند ظهره للآخر ليتقّوى به فيكون له كالظهر ، قال : 593 - تظاهرتم أستاه بيت تجمّعت * على واحد لا زلتم قرن واحد « 5 » والإثم في الأصل : الذّنب وجمعه آثام ، ويطلق على الفعل الذي يستحقّ به صاحبه الذمّ واللوم . وقيل هو : ما تنفر منه النفس ولا يطمئنّ إليه القلب ، فالإثم في الآية يحتمل أن يكون مرادا به ما ذكرت من هذه المعاني . ويحتمل أن يتجوّز به عمّا يوجب الإثم إقامة للسّبب مقام المسبّب كقول الشاعر : 594 - شربت الإثم حتى ضلّ عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول « 6 » فعبّر عن الخمر بالإثم لمّا كان مسبّبا عنها . والعدوان : التجاوز في الظلم ، وقد تقدّم في « يعتدون » وهو مصدر كالكفران والغفران ، والمشهور ضمّ فائه ، وفيه لغة بالكسر . قوله : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ إن شرطية ويأتوكم مجزوم بها بحذف النون والمخاطب مفعول ،
--> ( 1 ) البيت لرؤبة انظر ملحق ديوانه ( 165 ) ، الكتاب ( 2 / 75 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 18 ) ، الخزانة ( 2 / 413 ) ، البحر المحيط ( 5 / 245 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 66 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 291 ) . ( 4 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 291 ) . ( 5 ) البيت من شواهد القرطبي ( 2 / 20 ) . ( 6 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 157 ) ، وانظر الغريبين ( 1 / 18 ) ، اللسان ( أثم ) التهذيب ( 15 / 161 ) ( أثم ) ، تفسير القرطبي معالم التنزيل ( 2 / 186 ) ، روح المعاني ( 8 / 112 ) .