أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

280

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فإنّ فعلى مصدرا لا ينقاس ، إنما جاءت منها أليفاظ كالعقبى والبشرى » . ثم أجاب الشيخ عن هذا الثاني بما معناه أنّ الضمير في قوله « عنها » عائد إلى « حسنى » لا إلى فعلى أنثى أفعل ، ويكون استثناء منقطعا كأنه قال : إلا أن يزال عن حسنى التي قرأ بها أبيّ معنى التفضيل ، ويصير المعنى : إلا أن يعتقد أنّ « حسنى » مصدر لا أنثى أفعل ، وقوله « وهو وجه القراءة بها » أي : والمصدر وجه القراءة بها . وتخريج هذه القراءة على وجهين ، أحدهما : المصدر كالبشرى وفيه الأوجه المتقدمة في « حسنا » مصدرا إلا أنه يحتاج إلى إثبات حسنى مصدرا من قول العرب : حسن حسنى ، كقولهم : رجع رجعي ، إذ مجيء فعلى مصدرا لا ينقاس . والوجه الثاني أن تكون صفة لموصوف محذوف ؛ أي : وقولوا للناس كلمة حسنى أو مقالة حسنى . وفي الوصف بها حينئذ وجهان : أحدهما : أن تكون للتفضيل ، ويكون قد شذّ استعمالها غير معرّفة بأل ولا مضافة إلى معرفة كما شذّ قوله : 580 - وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة * يوما سراة كرام الناس فادعينا « 1 » وقوله : 581 - في سعي دنيا طالما قد مدّت « 2 » والوجه الثاني : أن تكون لغير التفضيل ، بل بمعنى حسنة نحو كبرى في معنى كبيرة ، أي : وقولوا للناس مقالة حسنة ، كما قالوا : « يوسف أحسن إخوته » في معنى حسن إخوته » انتهى . وقد علم بهذا فساد قول النحاس . وأمّا من قرأ « إحسانا » « 3 » فهو مصدر وقع صفة لمصدر محذوف أي قولا إحسانا ، وفيه التأويل المشهور ، وإحسانا مصدر من أحسن الذي همزته للصيرورة أي قولا ذا حسن ، كما تقول : « أعشبت الأرض » أي : صارت ذا عشب . وقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ تقدّم نظيره « 4 » . قوله : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا قال الزمخشري : « على طريقة الالتفات » وهذا الذي قاله إنما يجيء على قراءة : « لا يعبدون » بالغيبة ، وأمّا على قراءة الخطاب فلا التفات البتة ، ويجوز أن يكون أراد بالالتفات الخروج من خطاب بني إسرائيل القدماء إلى خطاب الحاضرين في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد قيل بذلك ، ويؤيّده قوله تعالى : إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ قيل : يعني بهم الذين أسلموا في زمانه عليه السّلام كعبد اللّه بن سلّام وأضرابه ، فيكون التفاتا على القراءتين . والمشهور نصب « قليلا » على الاستثناء لأنه من موجب . وروي عن أبي عمرو وغيره : « إلا قليل » بالرفع . وفيه ستة أقوال ، أصحّها : أنّ رفعه على الصفة بتأويل « إلا » وما بعدها بمعنى غير . وقد عقد سيبويه - رحمه اللّه - في ذلك بابا في كتابه فقال : « هذا باب ما يكون فيه « إلّا » وما بعدها وصفا بمنزلة غير ومثل » ، وذكر من أمثلة هذا الباب : « لو كان معنا إلا رجل إلا زيد لغلبنا » و « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا » « 5 » و : 582 - . . . * قليل بها الأصوات إلا بغامها « 6 »

--> ( 1 ) البيت لبشامة النهشلي انظر الحماسة ( 1 / 101 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 6 / 101 ) ، حاشية يسن ( 2 / 381 ) ، الخزانة ( 8 / 301 ) ، البحر ( 1 / 286 ) ، اللسان ( حلل ) ، والسراة بالفتح بمعنى الرئيس ، وقيل اسم جمع . ( 2 ) البيت للعجاج وهو في ديوانه ( 1 / 410 ) ، الكشاف ( 4 / 353 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 285 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 43 ) . ( 5 ) سورة الأنبياء ، آية ( 22 ) . ( 6 ) عجز بيت لذي الرمة وصدره : أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة * . . . -