أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
276
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الزمخشري هذا الوجه الرابع بقراءة عبد اللّه : « لا تعبدوا » على النهي . الخامس : أن يكون في محلّ نصب بالقول المحذوف ، وذلك القول حال تقديره : قائلين لهم لا تعبدون إلا اللّه ، ويكون خبرا في معنى النهي ويؤيّده قراءة أبيّ المتقدمة ، وبهذا يتّضح عطف « وقولوا » عليه ، وبه قال الفراء . السادس : أنّ « أن » الناصبة مضمرة كما تقدّم ، ولكنها هي وما في حيّزها في محلّ نصب على أنها بدل من « ميثاق » ، وهذا قريب من القول الأول من حيث إنّ هذه الجملة مفسّرة للميثاق ، وفيه النظر المتقدم ، أعني حذف « أن » في غير المواضع المقيسة . السابع : أن يكون منصوبا بقول محذوف ، وذلك القول ليس حالا ، بل مجرّد إخبار ، والتقدير : وقلنا لهم ذلك ، ويكون خبرا في معنى النهي . قال الزمخشري : « كما تقول : تذهب إلى فلان تقول له كذا ، تريد الأمر ، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي ، لأنّه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه ، وتنصره قراءة أبي وعبد اللّه : « لا تعبدوا » ولا بدّ من إرادة القول » . انتهى ، وهو كلام حسن جدا . الثامن : أن يكون التقدير : أن لا تعبدون ، وهي « أن » المفسّرة ، لأنّ في قوله : « أخذنا ميثاق بني إسرائيل » إيهاما كما تقدّم ، وفيه معنى القول ، ثم حذفت « أن » المفسّرة ، ذكره الزمخشري . وفي ادّعاء حذف حرف التفسير نظر لا يخفى . وقوله : إِلَّا اللَّهَ استثناء مفرغ ، لأنّ ما قبله مفتقر إليه وقد تقدّم تحقيقه أولا . وفيه التفات من التكلّم إلى الغيبة ، إذ لو جرى الكلام على نسقه لقيل : لا تعبدون إلا إيانا ، لقوله « أخذنا » . وفي هذا الالتفات من الدلالة على عظم هذا الاسم والتفرّد به ما ليس في المضمر ، وأيضا الأسماء الواقعة ظاهرة فناسب أن يجاور الظاهر الظاهر . قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً فيه خمسة أوجه : أحدها : أن تتعلّق الباء ب « إحسانا » ، على أنّه مصدر واقع موقع فعل الأمر ، والتقدير : وأحسنوا بالوالدين ، والباء ترادف « إلى » في هذا المعنى ، تقول : أحسنت به وإليه ، بمعنى أن يكون على هذا الوجه ثمّ مضاف محذوف ، أي : وأحسنوا برّ الوالدين بمعنى : أحسنوا إليهما برّهما . قال ابن عطية : « يعترض هذا القول أن يتقدّم على المصدر معموله » وهذا الذي جعله ابن عطية اعتراضا على هذا القول لا يتمّ على مذهب الجمهور ، فإنّ مذهبهم جواز تقديم معمول المصدر النائب عن فعل الأمر عليه ، تقول : ضربا زيدا ، وإن شئت : زيدا ضربا ، وسواء عندهم إن جعلنا العمل للفعل المقدّر أم للمصدر النائب عن فعله فإنّ التقديم عندهم جائز ، وإنما يمتنع تقديم معمول المصدر المنحل لحرف مصدري والفعل ، كما تقدّم بيانه آنفا ، وإنما يتمّ على مذهب أبي الحسن ، فإنه يمنع تقديم معمول المصدر النائب عن الفعل ، وخالف الجمهور في ذلك . الثاني : أنها متعلقة بمحذوف ، وذلك المحذوف يجوز أن يقدّر فعل أمر مراعاة لقوله : « لا تعبدون » فإنه في معنى النهي كما تقدّم ، كأنه قال : لا تعبدوا إلا اللّه وأحسنوا بالوالدين . ويجوز أن يقدّر خبرا مراعاة للفظ « لا تعبدون » والتقدير : وتحسنون . وبهذين الاحتمالين قدّر الزمخشري ، وينتصب « إحسانا » حينئذ على المصدر المؤكّد لذلك الفعل المحذوف . وفيه نظر من حيث إنّ حذف عامل المؤكّد منصوص على عدم جوازه ، وفيه بحث ليس هذا موضعه .