أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
277
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثالث : أن يكون التقدير : واستوصوا بالوالدين ، فالباء تتعلق بهذا الفعل المقدّر ، وينتصب « إحسانا » حينئذ على أنه مفعول به . الرابع : تقديره : ووصّيناهم بالوالدين ، فالباء متعلّقة بالمحذوف أيضا ، وينتصب « إحسانا » حينئذ على أنه مفعول من أجله ، أي لأجل إحساننا إلى الموصى بهم من حيث إن الإحسان متسبّب عن وصيتنا بهم أو الموصى لما يترتّب الثواب منّا لهم إذا أحسنوا إليهم . الخامس : أن تكون الباء وما عملت فيه عطفا على قوله : « لا تعبدون » إذا قيل بأنّ « أن » المصدرية مقدرة ، فينسبك منها وممّا بعدها مصدر يعطف عليه هذا المجرور ، والتقدير : أخذنا ميثاقهم بإفراد اللّه بالعبادة وبالوالدين ، أي : وببرّ الوالدين ، أو بإحسان إلى الوالدين ، فتتعلّق الباء حينئذ بالميثاق لما فيه من معنى الفعل ، فإن الظرف وشبهه تعمل فيه روائح الأفعال ، وينتصب « إحسانا » حينئذ على المصدر من ذلك المضاف المحذوف وهو البرّ لأنه بمعناه أو الإحسان الذي قدّرناه . والظاهر من هذه الأوجه إنما هو الثاني لعدم الإضمار اللازم في غيره ، ولأنّ ورود المصدر نائبا عن فعل الأمر مطّرد شائع ، وإنّما قدّم المعمول اهتماما به وتنبيها على أنّه أولى بالإحسان إليه ممّن ذكر معه . والوالدان : الأب والأم ، يقال لكلّ واحد منهما والد ، قال : 573 - ألا ربّ مولود وليس له أب * وذي ولد لم يلده أبوان « 1 » وقيل : لا يقال في الأم : والدة بالتاء ، وإنما قيل فيها وفي الأب : والدان تغليبا للمذكّر . والإحسان : الإنعام على الغير ، وقيل : بل هو أعمّ من الإنعام ، وقيل هو النافع لكل شيء . قوله : وَذِي الْقُرْبى وما بعده عطف على المجرور بالباء ، وعلامة الجرّ فيها الياء ؛ لأنّها من الأسماء الستة ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجرّ بالياء بشروط ذكرها النحويون ، وهل إعرابها بالحروف أو بغيرها ؟ عشرة مذاهب للنحويين فيها ، ليس هذا موضع ذكرها ، وهي من الأسماء اللازمة للإضافة لفظا ومعنى إلى أسماء الأجناس ليتوصّل بذلك إلى وصف النكرة باسم الجنس نحو : مررت برجل ذي مال ، وإضافته إلى المضمر ممنوعة إلا في ضرورة أو نادر كلام كقوله : 574 - صبحنا الخزرجيّة مرهفات * أبان ذوي أرومتها ذووها « 2 » وأنشد الكسائي : 575 - إنما يعرف المع * روف في الناس ذووه « 3 » وعلى هذا قولهم : اللهم صلّ على محمد وذويه ، وإضافته إلى العلم قليلة جدا ، وهي على ضربين : واجبة وذلك إذا اقترنا وضعا نحو : ذي يزن وذي رعين ، وجائزة وذلك إذا لم يقترنا وضعا نحو : ذي قطري وذي عمرو ، أي :
--> ( 1 ) البيت لعمرو الجنبي ، انظر الخصائص ( 2 / 333 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 9 / 126 ) ، رصف المباني ( 188 ) ، المقرب ( 1 / 199 ) ، المغني ( 144 ) ، شواهد المغني ( 398 ) ، الدرر ( 1 / 31 ) . ( 2 ) البيت لكعب بن زهير انظر ديوانه ( 212 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 53 ) ، الهمع ( 2 / 50 ) ، الدرر ( 2 / 61 ) . ( 3 ) البيت هكذا في شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 53 ) ، إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه ، وانظر الدرر ( 2 / 61 ) .