أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
267
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« أن » هي أمّ الباب ، فادّعاء إضمارها أولى من غيرها . وقال الكوفيون : « النصب باللام نفسها ، وأنّ ما يظهر بعدها من كي وأن إنما هو على سبيل التأكيد » ، وللاحتجاج موضع غير هذا من كتب النحو . ويجوز إضمار أن وإظهارها بعد هذه اللام إلّا في صورة واحدة وهي ما إذا وقع بعدها « لا » نحو قوله : لِئَلَّا يَعْلَمَ « 1 » ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ « 2 » ، وذلك لما يلزم من توالي لامين فيثقل اللفظ . والمشهور في لغة العرب كسر هذه اللام لأنها حرف جر وفيها لغيّة شاذّة وهي الفتح . وهذه اللام متعلقة بقوله : « أتحدّثونهم » . وذهب بعضهم إلى أنّها متعلقة ب « فتح » ، وليس بظاهر ، لأنّ المحاجّة ليست علة للفتح ، وإنما هي نشأت عن التحديث ، اللهم إلا أن يقال : تتعلّق به على أنها لام العاقبة ، وهو قول قيل به فصار المعنى أنّ عاقبة الفتح ومآلة صار إلى أن حاجّوكم ، أو تقول : إنّ اللام لام العلّة على بابها ، وإنما تعلّقت بفتح لأنه سبب للتحديث ، والسّبب والمسبّب في هذا واحد . قوله : « به » الضمير يعود على « ما » من قوله : « بما فتح اللّه » وقد تقدّم أنه يضعف القول بكونها مصدرية ، وأنه يجوز أن يعود على أحد المصدرين المفهومين من « أتحدّثونهم » و « فتح » . قوله : عِنْدَ رَبِّكُمْ ظرف معمول لقوله : « ليحاجّوكم » بمعنى ليحاجّوكم يوم القيامة ، فكنى عنه بقوله : « عند ربكم » ، وقيل : « عند » بمعنى في ، أي : ليحاجّوكم في ربكم ، أي : فيكونون أحقّ به منكم . وقيل : ثمّ مضاف محذوف أي : عند ذكر ربّكم ، وقيل : هو معمول لقوله : « بما فتح اللّه » أي بما فتح اللّه من ربكم ليحاجّوكم ، وهو نعته عليه السّلام وأخذ ميثاقهم بتصديقه . ورجّحه بعضهم وقال : « هو الصحيح ، لأنّ الاحتجاج عليهم هو بما كان في الدنيا » وفي هذا نظر من جهة الصناعة ، وذلك أنّ « ليحاجّوكم » متعلق بقوله : « أتحدّثونهم » على الأظهر كما تقدّم فيلزم الفصل به بين العامل - وهو فتح - وبين معموله - وهو عند ربك - وذلك لا يجوز لأنه أجنبيّ منهما . قوله : أَ فَلا تَعْقِلُونَ تقدّم الكلام على نظيرتها « 3 » . وفي هذه الجملة قولان : أحدهما [ أنها ] مندرجة في حيّز القول . والثاني أنها من خطاب اللّه تعالى للمؤمنين بذلك فمحلّها النصب على الأول ولا محلّ لها على الثاني ، ومفعول « تعقلون » يجوز أن يكون مرادا ويجوز ألّا يكون . قوله تعالى : أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ . . تقدّم أنّ مذهب الجمهور أنّ النية بالواو التقديم على الهمزة لأنّها عاطفة ، وإنما أخّرت عنها لقوة همزة الاستفهام ، وأنّ مذهب الزمخشري تقدير فعل بعد الهمزة ، ولا للنفي . و « أنّ اللّه يعلم » يجوز أن تكون في محلّ نصب ، وفيها حينئذ تقديران ، أحدهما أنّها سادّة مسدّ مفرد إن جعلنا علم بمعنى عرف . والثاني : أنها سادة مسدّ مفعولين إن جعلناها متعدية لاثنين كظننت ، وقد تقدّم أنّ هذا مذهب سيبويه والجمهور ، وأنّ الأخفش يدّعي أنها سدّت مسدّ الأول والثاني محذوف ، و « ما » يجوز أن تكون بمعنى الذي وعائدها محذوف ، أي : ما يسرّونه ويعلنونه ، وأن تكون مصدرية أي : يعلم سرهم وعلنهم ، والسرّ والعلانية متقابلان .
--> ( 1 ) سورة الحديد ، آية ( 29 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 150 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 44 ) .