أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
268
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 78 إلى 80 ] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 78 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 ) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) قوله تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ . . « مِنْهُمْ » خبر مقدّم ، فيتعلّق بمحذوف . و « أُمِّيُّونَ » مبتدأ مؤخر ، ويجوز على رأي الأخفش أن يكون فاعلا بالظرف قبله وإن لم يعتمد ، وقد بيّنت على ما ذا يعتمد فيما تقدّم . « وأمّيّون جمع أمّيّ وهو من لا يكتب ولا يقرأ ، واختلف في نسبته ، فقيل : إلى الأم وفيه معنيان : أحدهما : أنه بحال أمّه التي ولدته من عدم معرفة الكتابة وليس مثل أبيه ، لأن النساء ليس من شغلهنّ الكتابة . والثاني : أنّه بحاله التي ولدته أمّه عليها لم يتغيّر عنها ولم ينتقل . وقيل : نسب إلى الأمّة وهي القامة والخلقة ، بمعنى أنه ليس له من الناس إلا ذلك . وقيل : نسب إلى الأمّة على سذاجتها قبل أن تعرف الأشياء كقولهم : عامّي أي : على عادة العامّة . وعن ابن عباس : « قيل لهم أمّيّون لأنهم لم يصدّقوا بأم الكتاب » وقال أبو عبيدة : « قيل لهم أمّيّون لإنزال الكتاب عليهم كأنهم نسبوا لأمّ الكتاب » . وقرأ ابن أبي عبلة : « أمّيون » بتخفيف الياء ، كأنه استثقل توالي تضعيفين . قوله : لا يَعْلَمُونَ جملة فعلية في محل رفع صفة لأمّيون ، كأنه قيل : أمّيّون غير عالمين . قوله : إِلَّا أَمانِيَّ هذا استثناء منقطع ، لأن الأمانيّ ليست من جنس الكتاب ، ولا مندرجة تحت مدلوله ، وهذا هو المنقطع ، ولكنّ شرطه أن يتوهّم دخوله بوجه ما كقوله : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ « 1 » وقول النابغة : 560 - حلفت يمينا غير ذي مثنويّة * ولا علم إلا حسن ظنّ بصاحب « 2 » لأنّ بذكر العلم استحضر الظنّ ، ولهذا لا يجوز : صهلت الخيل إلا حمارا . واعلم أنّ المنقطع على ضربين : ضرب يصحّ توجّه العامل عليه نحو : « جاء القوم إلا حمارا » وضرب لا يتوجّه نحو ما مثّل به النحويون : « ما زاد إلا ما نقص ، وما نفع إلا ما ضرّ » فالأول فيه لغتان : لغة الحجاز وجوب نصبه ولغة تميم أنه كالمتصل ، فيجوز فيه بعد النفي وشبهه النصب والاتباع ، والآية الكريمة من الضرب الأول ، فيحتمل نصبها وجهين ، أحدهما : على الاستثناء المنقطع . والثاني : أنه بدل من الكتاب ، و « إلا » في المنقطع تقدّر عند البصريين ب « لكن » وعند الكوفيين ب « بل » .
--> ( 1 ) سورة النساء ، آية ( 157 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 55 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 365 ) ، القرطبي ( 2 / 5 ) .