أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
266
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ متعلّق ب « يحرّفونه » . والتحريف : الإمالة والتحويل ، و « ثم » للتراخي : إمّا في الزمان أو في الرتبة ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية أي : ثم يحرّفون الكلام من بعد المعنى الذي فهموه وعرفوه . ويجوز أن تكون مصدرية والضمير في « عقلوه » يعود حينئذ على الكلام ، أي من بعد تعقّلهم إياه . قوله : « وَهُمْ يَعْلَمُونَ » جملة حالية ، وفي العامل فيها قولان : أحدهما : « عقلوه » ، ولكن يلزم منه أن تكون حالا مؤكدة ، لأنّ معناها قد فهم من قوله « عقلوه » . والثاني : وهو الظاهر ، أنه يحرّفونه ، أي يحرّفونه حال علمهم بذلك . قوله تعالى : وَإِذا لَقُوا . . الآية ، قد تقدّم نظيرها أول السورة « 1 » ، وقد تقدّم الكلام على مفرداتها وإعرابها ، فأغنى ذلك عن الإعادة . وهذه الجملة الشرطية تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون مستأنفة كاشفة عن أحوال اليهود والمنافقين . والثاني : أن تكون في محلّ نصب على الحال معطوفة على الجملة الحالية قبلها وهي : « وقد كان فريق » والتقدير : كيف تطمعون في إيمانهم وحالهم كيت وكيت ؟ وقرأ ابن السّميفع : لاقوا ، وهو بمعنى لقوا ، فاعل بمعنى فعل نحو : سافر وطارقت النعل . قوله : بِما فَتَحَ اللَّهُ متعلّق بالتحديث قبله ، وما موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي : فتحه اللّه . وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة أو مصدرية ، أي : شيء فتحه ، فالعائد محذوف أيضا ، أو بفتح اللّه عليكم . وفي جعلها مصدرية إشكال من حيث إن الضمير في قوله بعد ذلك : لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عائد على « ما » هذا هو الظاهر ، وما المصدرية حرف لا يعود عليها ضمير على المشهور خلافا للأخفش وأبي بكر بن السراج « 2 » ، إلا أن يتكلّف فيقال : الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله : « أتحدّثونهم » أو من قوله فتح ، أي : ليحاجّوكم بالتحديث الذي حدّثتموهم ، أو بالفتح الذي فتحه اللّه عليكم . والجملة من قوله : « أتحدّثونهم » في محلّ نصب بالقول ، والفتح هنا معناه الحكم والقضاء ، وقيل : الفتّاح : القاضي بلغة اليمن ، وقيل الإنزال . وقيل : الإعلام أو التبيين بمعنى أنه بيّن لكم صفة محمد عليه السّلام ، أو المنّ بمعنى ما منّ عليكم به من نصركم على عدوّكم ، وكلّ هذه أقوال مذكورة في التفسير . قوله : لِيُحَاجُّوكُمْ هذه اللام تسمّى لام كي بمعنى أنها للتعليل ، كما أنّ « كي » كذلك ، لا بمعنى أنها تنصب ما بعدها بإضمار ب « كي » كما سيأتي ، وهي حرف جرّ ، وإنما دخلت على الفعل لأنه منصوب بأن المصدرية مقدرة بعدها ، فهو معها بتأويل المصدر أي للمحاجّة ، فلم تدخل إلا على اسم لكنه غير صريح . والنصب بأن المضمرة كما تقدّم لا بكي خلافا لابن كيسان والسيرافي « 3 » وإن ظهرت بعدها نحو قوله تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا « 4 » لأن
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 14 ) . ( 2 ) تقدمت ترجمته . ( 3 ) الحسن بن عبد اللّه بن المرزبان القاضي أبو سعيد السيرافي النحوي شيخ الشيوخ وإمام الأئمة صاحب شرح الكتاب لم يسبق إلى مثله توفي ثاني رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة البغية ( 1 / 508 ) . ( 4 ) سورة الحديد ، آية ( 23 ) .