أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

260

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أي : تثير الأرض مرحا ونشاطا لا حرثا وعملا ، وقال أبو البقاء : « وقيل هو مستأنف ، ثم قال : « وهو بعيد عن الصحة ، لوجهين ، أحدهما : أنه عطف عليه قوله : « ولا تسقي الحرث » فنفى المعطوف ، فيجب أن يكون المعطوف عليه كذلك لأنه في المعنى واحد ، ألا ترى أنك لا تقول : مررت برجل قائم ولا قاعد ، بل تقول : لا قاعد بغير واو ، كذلك يجب أن يكون هنا ، وذكر الوجه الثاني كما تقدّم ، وأجاز أيضا أن يكون « تثير » في محلّ رفع صفة لذلول وقد تقدّم لك خلاف : هل يوصف الوصف أو لا ؟ فهذه ستة أوجه ، تلخيصها : أنها حال من الضمير في « ذلول » أو من « بقرة » أو صفة لبقرة أو لذلول أو مستأنفة بإضمار مبتدأ أو دونه . قوله : وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ ، مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها الكلام في هذه كما تقدم فيما قبلها من كونها صفة لبقرة أو خبرا لمبتدأ محذوف . وقال الزمخشري : « ولا الأولى للنفي - يعني الداخلة على « ذلول » - والثانية مزيدة لتوكيد الأولى ، لأن المعنى : لا ذلول تثير وتسقي ، على أن الفعلين صفتان لذلول ، كأنه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية » . وقرئ « تسقي » بضم التاء من أسقى « 1 » . وإثارة الأرض تحريكها وبحثها ، ومنه « وَأَثارُوا الْأَرْضَ » « 2 » أي : بالحرث والزراعة ، وفي الحديث : « أثيروا القرآن ، فإنه علم الأولين والآخرين » ، وفي رواية ، « من أراد العلم فليثوّر القرآن » « 3 » . ومسلّمة من سلم له كذا أي : خلص . و « شية » مصدر وشيت الثوب أشيه وشيا وشية ، فحذفت فاؤها لوقوعها بين ياء وكسرة في المضارع ، ثم حمل باقي الباب عليه ، ووزنها : علة ، ومثلها : صلة وعدة وزنة ، وهي عبارة عن اللمعة المخالفة للّون ، ومنه ثوب موشيّ أي منسوج بلونين فأكثر ، وثور موشيّ القوائم أي : أبلقها قال الشاعر : 550 - من وحش وجرة موشيّ أكارعه * طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد « 4 » ومنه : « الواشي » للنمّام ، لأنه يشي حديثه أي : يزيّنه ويخلطه بالكذب ، وقال بعضهم : ولا يقال له واش حتى يغيّر كلامه ويزيّنه . ويقال : ثور أشيه ، وفرس أبلق وكبش أخرج وتيس أبرق وغراب أبقع ، كلّ ذلك بمعنى البلقة ، و « شية » اسم لا ، و « فيها » خبرها . قوله : « الآن جئت » « الآن » منصوب بجئت ، وهو ظرف زمان يقتضي الحال ويخلّص المضارع له عند جمهور النحويين ، وقال بعضهم : هذا هو الغالب وقد جاء حيث لا يمكن أن يكون للحال كقوله : فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ « 5 » فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ « 6 » فلو كان يقتضي الحال لما جاء مع فعل الشرط والأمر اللذين هما نصّ في الاستقبال ، وعبّر عنه هذا القائل بعبارة توافق مذهبه وهي : « الآن » لوقت حصر جميعه أو بعضه » يريد بقوله : « أو بعضه » نحو : « فمن يستمع الآن يجد له » وهو مبنيّ . واختلف في علّة بنائه ، فقال الزجاج : « لأنّه تضمّن معنى الإشارة ، لأنّ معنى أفعل الآن أي : هذا الوقت » . وقيل : لأنه أشبه الحرف في لزوم لفظ واحد ، من حيث إنه لا يثنّى ولا يجمع ولا يصغّر . وقيل : لأنه تضمّن معنى حرف التعريف وهو الألف واللام كأمس ، وهذه الألف واللام زائدة فيه بدليل بنائه ولم يعهد معرّف بأل إلّا معربا ، ولزمت فيه الألف واللام كما لزمت في الذي والتي وبابهما ، ويعزى هذا للفارسي . وهو مردود

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 257 ) . ( 2 ) سورة الروم ، آية ( 9 ) . ( 3 ) أثر موقوف على ابن مسعود كما في مجمع الزوائد ( 7 / 165 ) . ( 4 ) البيت للنابغة انظر ديوانه ( 7 ) ، القرطبي ( 6 / 235 ) . ( 5 ) سورة الجن ، آية ( 9 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 187 ) .